كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مساعدة أصدقاء أمريكيين للمرشح الرئاسي الخاسر فلافيو بولسونارو على الفرار من البرازيل بعد أقل من 24 ساعة من إعلان النتائج.
وفي تقرير أعدته فيرا بريغنغرون وسامنثا بيرسون وريان دوبي وفيليب ويغمان قالت في إنه وبعد أقل من 24 ساعة من خسارته الانتخابات الرئاسية في البرازيل، اختفى فلافيو بولسونارو فجأة ضمن موكب من أربع سيارات داكنة اللون. وبعد انطلاقهم من منزله في برازيليا مساء الاثنين، تفرقت السيارات في اتجاهات مختلفة، مما أثار حيرة الصحافيين والسلطات لتحديد السيارة التي تقل بولسونارو. وبحلول ظهر اليوم التالي، كان حلفاء المرشح الرئاسي السابق يخبرون الصحافيين بأنه قد وصل بالفعل إلى فلوريدا.
ولكنه كان في البرازيل عندما نشرت وسائل إعلام برازيلية ودولية عن مغادرة بولسونارو البلاد. وكانت طائرة خاصة تنتظره على الجانب الآخر من الحدود في الأرجنتين. وفي تمام الساعة 12:21 صباح الأربعاء، أقلعت طائرة غلف ستريم جي 400 مطار إيغوازو ونقلته إلى الإكوادور، ثم إلى ميامي، حيث سهل دخوله حلفاء ترامب الذين أمضت عائلته سنوات في بناء علاقات معهم.
وتقول الصحيفة إن عملية الهروب التي اعتمدت بشكل كبير على الخداع والتمويه، أثارت حالة من التكهنات العالمية، حتى أن بعض أقرب حلفاء بولسونارو في واشنطن والبرازيل لم يكونوا على علم بمكان وجوده. وبعد نزول بولسونارو من الطائرة في ميامي صباح الأربعاء، مرتديا قميص بولو أزرق داكنا وحاملا حقيبة ظهر، استخدم ضباط يرتدون الزي الرسمي مظلات لحمايته وعائلته من عدسات الكاميرات.
وجاء وصولهم عقب جهد استثنائي بذلته دائرة صغيرة من حلفاء ترامب النافذين وكبار المسؤولين الأمريكيين والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، لمساعدته على السفر إلى الولايات المتحدة وتأمين دخوله، على الرغم من أمر قضائي برازيلي يمنعه من مغادرة البلاد.
وفي بيان صدر من ميامي يوم الأربعاء، شكر بولسونارو، الذي وصف نفسه بـ”زعيم البرازيل”، الرئيس ترامب على ترحيبه به في “أرض الحريات”، وشكر ميلي على “شجاعته” و”إحساسه بالعدالة”.
وبعد أن وافق ترامب شخصيا على دخول بولسونارو وعائلته إلى الولايات المتحدة يوم الثلاثاء، باشر وزير الخارجية ماركو روبيو إجراءات إصدار تأشيراتهم، وفقا لمصادر مطلعة على الترتيبات. لكن العائلة دخلت البلاد بموجب تصريح دخول إنساني يسمح لهم بالبقاء لمدة عام، بحسب المصادر نفسها.
وتقول الصحيفة إن عملية تهريب بولسونارو من البرازيل إلى الولايات المتحدة بدأت تتخذ شكلها يوم الاثنين، مع تزايد مخاوف حلفائه من احتمال اعتقاله. ورغم أن التحقيقات الجنائية مع بولسونارو سبقت الانتخابات، إلا أن قرار المحكمة العليا بمنعه من مغادرة البرازيل وإلزامه بتسليم جوازات سفره صدر بعد هزيمته بفترة وجيزة، مما زاد من حدة الاتهامات الموجهة إلى الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، المعروف بلولا بأنه مصمم على معاقبة خصومه السياسيين. وبمساعدة إدواردو، الشقيق الأصغر لفلافيو بولسونارو، ذي النفوذ الواسع، تمكنت مجموعة صغيرة، من ضمنها مستشار ترامب جيسون ميلر، من تأمين طائرة خاصة لنقله من الأرجنتين إلى فلوريدا. ويمثل قرار إدارة ترامب بمنح بولسونارو اللجوء تتويجا لحملة ضغط استمرت سنوات طويلة قامت بها العائلة لحشد الرئيس الأمريكي ودائرته المقربة في معاركها القانونية والسياسية في الداخل. وقد أعاد التحالف الشخصي بين أقوى عائلتين سياسيتين في نصف الكرة الأرضية تشكيل العلاقات بين الولايات المتحدة والبرازيل.
ففي العام الماضي، فرض ترامب رسوما جمركية باهظة على البرازيل بدعوى معاملتها لبولسونارو، وعاقب قاضي المحكمة العليا نفسه الذي منع بولسونارو من مغادرة البلاد.
وما بدأ الآن، كمعركة سياسية وقانونية داخلية في البرازيل تحول إلى اختبار لمدى استعداد ترامب لاستخدام النفوذ الأمريكي لصالح عائلة سياسية أجنبية، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على ثاني أكبر ديمقراطية في الأمريكتين. وقال أشخاص مطلعون على محادثات مع بولسونارو إنه يعتزم تأسيس حركة سياسية من منفاه بعيدا عن الولايات المتحدة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، لم يبد البيت الأبيض أي إشارة عن نية تجاوز منح بولسونارو ملاذا آمنا، أو إن كان ترامب سيوظف رصيده السياسي في الطعن في فوز لولا بولاية ثانية، رغم الضغوط التي يمارسها حلفاؤه في واشنطن، وذلك وفقا لشخصين مطلعين على المناقشات. وامتنع ترامب عن التعليق عندما سأله الصحافيون عن إعلان بولسونارو نفسه الرئيس الشرعي للبرازيل. وقال يوم الأربعاء، متحدثا عن عائلة بولسونارو التي وصفها في وقت سابق من اليوم بأنها “أناس طيبون للغاية”: “أعتقد أنهم عوملوا بظلم شديد، لكنني لن أتدخل، فقد كانت انتخابات غريبة للغاية، هذا أمر مؤكد”.
وقد اعترفت أكثر من 50 دولة، بما في ذلك قادة أمريكا اللاتينية من مختلف الأطياف السياسية، بفوز لولا في جولة الإعادة التي جرت يوم الأحد ضد بولسونارو. وتغلب لولا على بولسونارو بأكثر من 4.4 مليون صوت، وهو هامش قال مراقبون دوليون إنه لا يدع مجالا للشك في نزاهة البيانات الانتخابية للبلاد. إلا أن ترامب رفض حتى الآن الاعتراف رسميا بفوز لولا واقترح بدلا من ذلك دون دليل أن النتائج ربما تم التلاعب بها.
وقد بدأت رحلة الهروب يوم الثلاثاء عندما سار السناتور المحافظ وعائلته إلى الحدود الأرجنتينية، التي تبعد مئات الأميال. وفي تلك الليلة، في تمام الساعة 10:50 مساء بالتوقيت المحلي، عبر بولسونارو وزوجته وابنتاهما جسر تانكريدو نيفيس الدولي إلى بويرتو إيغوازو، الأرجنتين، بالقرب من نقطة التقاء حدود البرازيل والأرجنتين وباراغواي، وفقا للسلطات الأرجنتينية. وبعد عبور الحدود، رافقت شرطة أمن المطار الأرجنتينية سيارة بولسونارو إلى نقطة تفتيش الهجرة في مطار شلالات إيغوازو الدولي. ووفقا لرئيس سابق لجهاز المخابرات الأرجنتيني، كان سانتياغو كابوتو، أحد كبار مساعدي ميلي، يراقب العملية من بويرتو إيغوازو. وكان كابوتو على اتصال مباشر بإدواردو بولسونارو للتنسيق، بحسب شخص مشارك في العملية.
يذكر أن ميلي حليف مقرب لكل من إدارة ترامب وعائلة بولسونارو. وفي تموز/يوليو حضر تجمعا انتخابيا لفلافيو بولسونارو في البرازيل، واصفا لولا بـ”اللص”، مما دفع البرازيل إلى استدعاء سفيرها لدى الأرجنتين. في المطار، كانت طائرة خاصة تابعة لشركة “بايرز فلاي” للطيران العارض تنتظر عائلة بولسونارو بعد وصولها من بوينس آيرس قبل يوم، وفقا لبيانات تتبع الرحلات الجوية.
وفي تمام الساعة 11:30 مساء استقل بولسونارو طائرة “غلف ستريم”، الرحلة رقم أل في – جي كيو دبليو المتجهة إلى غواياكيل، الإكوادور، للتزود بالوقود في طريقها إلى الولايات المتحدة. وأظهرت قائمة ركاب الرحلة الأرجنتينية، التي اطلعت عليها “وول ستريت جورنال”، أن بولسونارو، الذي يحمل جواز سفر إيطالي، كان مسافرا برفقة زوجته وابنتيه. ثم أقلعت الرحلة بعد منتصف الليل بقليل، وعلى متنها طياران ومضيفة طيران. وهبطت الطائرة في مطار ميامي-أوبا لوكا حوالي الساعة التاسعة والنصف من صباح الأربعاء. وبمجرد مغادرتهم المطار، تم نقل بولسونارو وعائلته على عجل إلى سيارة دفع رباعي كانت تنتظرهم. ويأتي وصول بولسونارو إلى الولايات المتحدة على خطى والده. ففي كانون الأول/ديسمبر 2022، وصل جائير بولسونارو إلى مطار أورلاندو الدولي بعد خسارته الانتخابات أمام لولا ورفضه الاعتراف بالهزيمة. ومكث بولسونارو الأب حوالي ثلاثة أشهر، مقيما في منزل أحد الأصدقاء قبل عودته إلى البرازيل. وقد أدين لاحقا بتهمة التخطيط لانقلاب للبقاء في السلطة، الأمر الذي بلغ ذروته في انتفاضة في برازيليا أثارت مقارنات مع أعمال الشغب في مبنى الكابيتول في كانون الثاني/يناير 2021.
وقد أعطى قرار المحكمة العليا بمنع بولسونارو من مغادرة البلاد ذريعة جديدة لادعاءات عائلة بولسونارو القديمة بالاضطهاد السياسي.
وبمساعدة حلفاء نافذين، من بينهم ميلر وستيف بانون، الاستراتيجي السابق لترامب، حول آل بولسونارو معاركهم القانونية في الداخل إلى حملة اضطهاد سياسي أوسع نطاقا لاقت صدى واسعا.
وامتدت حملة استمالة ترامب ودائرته المقربة، بقيادة إدواردو بولسونارو، من حفلات عشاء في مارالاغو ومؤتمرات العمل السياسي إلى اجتماعات في البيت الأبيض. وفي حفل تنصيب ترامب العام الماضي، عانق إدواردو دونالد ترامب الابن بعد حضوره عشاء استضافه نائب الرئيس جيه دي فانس.
وجادل بانون، الاستراتيجي السابق لترامب والذي سبق له تقديم المشورة لعائلة بولسونارو، بأن معاملة اليسار لآل بولسونارو تعد بمثابة تحذير للمحافظين الأمريكيين. وقال: “إن من يعتقدون في الولايات المتحدة أن السياسة ستصبح أسهل لم يروا شيئا بعد” و
“لن يزداد الوضع إلا سوءا وسيصبح أكثر تحزبا وعدوانية”.
وعقد ترامب مقارنات مماثلة بين انتخابات البرازيل ومحاكمة عائلة بولسونارو، باعتبارها جزءا من الصراع نفسه ضد “حملة اضطهاد” يسارية. وفي تجمع انتخابي في تكساس يوم الثلاثاء، اتهم الديمقراطيين بأنهم “أكبر من قام بتزوير الانتخابات في التاريخ”، قبل أن يضيف: “مع أن البرازيل تقوم بعمل جيد أيضا، أليس كذلك؟”.
