بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

“انتهت حلول الأرض”.. كيف تفاعل الفلسطينيون مع تصريحات وزير المالية؟

“انتهت حلول الأرض”.. كيف تفاعل الفلسطينيون مع تصريحات وزير المالية؟

“انتهت حلول الأرض” هي الجملة الشهيرة والمفتاحية التي جاءت على لسان وزير المالية الفلسطيني اسطيفان سلامة، في مؤتمر صحافي عقده يوم الخميس، قدم خلاله إحاطة حول الوضع الذي وصلت إليه المالية العامة الفلسطينية.

وتعني الجملة أو القول المأثور “انتهت حلول الأرض” أنه لم تعد هناك حلول عملية لدى الجهات الرسمية، وهنا كان يقصد أن الأزمة باتت وجودية، أي تهدد بانهيار السلطة، بمعنى أنه لم يعد هناك من حلول تعيد الحكومة الفلسطينية إلى مستوى إنفاقها الطبيعي في ظل احتجاز سلطات الاحتلال لأموال المقاصة، التي تمثل نحو 70% من الإيرادات.

لقد قال الوزير حرفيا إن الوضع الذي مرت به السلطة كان سيؤدي إلى انهيار أي دولة أخرى، لكن غير الطبيعي -بحسب قوله- أن السلطة الفلسطينية لم تنهَر حتى الآن.

وأضاف أن الوضع الطبيعي هو انهيار السلطة مالياً، واستمرار الخدمات العامة يمثل معجزة تعكس تكاتف كل الأطراف.

وغالبا ما تكتمل الجملة الشهيرة بعبارة “أصبح الأمر متروكا للسماء” في إشارة إلى نفاد كامل الخيارات وإحالة الأمر إلى فعل إلهي، وهو تصريح نادر الصدور من جهات رسمية التي غالبا ما تستخدم لغة سياسية في توصيف تحركاتها، لكنها ربما تأتي هذه المرة ملخصة حال السلطة الفلسطينية في ظل انعدام خياراتها.

وتتوافق التصريحات مع توقع مراقبين ومحللين سياسيين فلسطينيين أن إسرائيل تحاول إقناع الإدارة الأميركية بالعمل على حل السلطة الفلسطينية، وتعيين لجنة مماثلة للجنة غزة مكانها، وهو ما يعني إلغاء الدور السياسي للسلطة.

خلال المؤتمر الصحافي، قدم الوزير سلامة، الذي ينال ثقة كبيرة من جهات غربية وتحديدا أوروبية، معلومات دقيقة حول الواقع المالي للسلطة، حيث قال إن المديونية العامة بلغت 15.4 مليار دولار، وأن المقاصة تشكل نحو 68% من الإيرادات العامة، فيما لم يُستلم العام الماضي سوى 1.9 مليار شيكل من أصل 10.2 مليار.

وشدد على أن الإيرادات المحلية الشهرية للسلطة تقارب 400 مليون شيكل، يذهب منها 250–300 مليون شيكل لخدمة الدين. وأن الحكومة تحتاج إلى مليار شيكل شهرياً لتأمين الحد الأدنى من الخدمات، حيث يتطلب صرف 60% من الرواتب 720 مليون شيكل.

ومما قاله الوزير، إنه تقرر وقف المشاريع التطويرية لعام 2026 والتركيز على النفقات الأساسية، كما أكد أن السلطة لا تعيش أزمة عابرة بل تهديدا وجوديا يستهدف السلطة الوطنية والمشروع الوطني. معتبرا أن المقاصة معركة سياسية وليست فنية، لكون إسرائيل تستخدم المال كسلاح لتدمير السلطة.

ومما صرح به الوزير، أن 475 دعوى بمزاعم “التعويض” مرفوعة على السلطة في المحاكم الإسرائيلية قيمتها 65 مليار شيكل.

ورغم الأرقام الصادمة والخطاب السياسي المغلف بلغة الأرقام، فقد استوقفت تصريحات الوزير الناشطين والمواطنين، وعكست جملته “انتهت حلول الأرض” الواقع السياسي والاقتصادي الذي هو غاية في الصعوبة، حيث حاولت “القدس العربي” رصد أصداء التصريح السياسي للوزير.

محمد خبيصة، الخبير الاقتصادي، استوقفته الجملة، وركز أكثر على حديث سلامة حول حقيقة أن معظم الإيرادات المحلية باتت تذهب لسداد خدمة الدين العام، في ظل استمرار احتجاز أموال المقاصة للشهر العاشر على التوالي.

وقال خبيصة إن أكثر من 300 مليون شيكل هي قيمة ما يمكن للسلطة أن تجبيه من الضرائب المحلية، وكلها تذهب للبنوك الفلسطينية والجهات التي أقرضت السلطة في سنوات سابقة. واعتبر خبيصة أن هذه الأرقام تعكس حقيقة واقع السلطة وانعدام الخيارات أمامها.


وفي ذات السياق، تساءل مراقبون: هل تنخفض نسبة صرف رواتب الحكومة الفلسطينية عن 60% خلال الأشهر المقبلة؟ وكان رد وزير المالية على هذا السؤال بأن “الوضع مرهون بالإمكانيات المالية المتوفرة في كل شهر”.

أما الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة، فظهر في فيديو على صفحته الخاصة قال فيه إن الحكومة عملياً استنفدت كل الحلول الفنية، وهي تفقد الهوامش التي كانت ممكنة خلال الفترة السابقة، لذلك إن بقيت المعطيات الحالية قائمة (أي لم يتم الإفراج عن أموال المقاصة أو تقديم مساعدات طارئة للسلطة الوطنية) فإن الحكومة حتماً لن تتمكن من توفير نسبة الراتب التي اعتادت عليها خلال الأشهر الماضية.

الإعلامي معمر عرابي، توقف أمام التصريحات الوزير، وكتب على صفحته الخاصة قائلا: “لقد انتهت حلول الأرض. انتهت تلك الوعود الزائفة التي كانت تمنح الأمل للناس في التسوية والسلام. السلطة الفلسطينية اليوم، التي كانت يوماً ما تمثل حلم الاستقلال والدولة عند أصحابها، أصبحت اليوم تخضع لابتزاز الاحتلال، وتنخرها الأزمات المالية والسياسية”.

وأضاف: “أما الاحتلال، فاستمر في تهويد الأرض وتوسيع المستوطنات، وتقويض السلطة نفسها… بينما السلطة تتشبث بنهج التسوية والمفاوضات التي لم تزدها إلا ضعفاً. إن التسوية لم تعد خياراً، بل نفق جديد من الوهم، الشعب الفلسطيني لم يعد يقبل بأي صيغة تساوم على حقوقه أو تشرعن احتلالاً يعيث فسادًا في الأرض. الوقت قد حان لتغيير قواعد الاشتباك مع الاحتلال. لا مفاوضات أخرى، لا حلول سلمية تحت قيد الاحتلال. الحل هو إعادة الاعتبار لنا، حركة تحرر وطني”.


وشدد على أن الحل الوحيد هو تسليم السلطة للشعب، الذي لا يقبل المساومة على حقوقه. “السلطة فشلت، والشعب الفلسطيني بحاجة إلى قيادة حقيقية تقود نضاله ضد الاحتلال وتعيد القضية الفلسطينية إلى جوهرها: نضال ضد الاستعمار بكل أشكاله”.

أما الإعلامي زعل أبو رقطي فكتب معقبا على التصريحات: “كأننا نعيش في غرفة العناية الفائقة.. ننتظر معجزة.. أو رصاصة الرحمة!”.

وخلال المؤتمر الصحافي قدم الصحافيون مجموعة من الاقتراحات للوزير منها: “لماذا لا تعلن السلطة حالة التقشف العامة وتوقف المصاريف الزائدة مثل تقليص عدد السفارات إلى أقل من النصف، وإلغاء أشباه الرواتب، وتقليص مخصصات الفصائل الاسمية، ووقف التعيينات الزائدة من أقرباء المسؤولين، ووقف الرحلات الخارجية التي لا طائل منها، ومعالجة الفساد؟”.

بدوره، مستشار محافظة القدس معروف الرفاعي كتب على صفحته الخاصة في فيسبوك قائلا إن “الحل هو تقليص نفقات الحكومة”، وطالب بإلغاء بعض الوزارات ودمجها بوزارات أخرى.

وتابع حديثه: “إغلاق بعض السفارات غير المؤثرة التي لا داعي لها ولا أحد يسمع بها، وكذلك سحب السيارات الحكومية من كافة المناصب المدنية والعسكرية وإبقاء سيارة أو سيارتين للحركة في كل وزارة وحسب الحاجة”.

وطالب الرفاعي بضرورة إلغاء كافة السفريات لكافة الوزراء والمسؤولين والاكتفاء بالمشاركة عبر التقنيات الإلكترونية التي أصبحت معتمدة في كل العالم. وكذلك إلغاء كافة النثريات الخاصة بالدوائر الحكومية من ضيافة وقهوة وشاي وقرطاسية والاعتماد على المراسلات الإلكترونية فقط.

المحامي صلاح الدين موسى كتب على صفحته في فيسبوك قائلا: “إن ما صرح به وزير المالية بالأمس هو حصيلة فشل في إدارة المال العام على مدار سنوات طوال، وإصرار غير مفهوم بالتعامل مع الأزمة وكأنها ستنتهي وكأن إسرائيل ستتراجع يوما عن الاستمرار باقتطاع المقاصة”.

وأضاف موسى: “الأسئلة الواجب الإجابة عليها الآن وقبل اقتراح حلول أرضية، لماذا الاستمرار بتعيين السفراء ولماذا الاستمرار بصرف النثريات ولماذا الاستمرار بالسفر للخارج لهذا الكم من المسؤولين ولماذا الاستمرار بعقد المؤتمرات ولماذا الاستمرار بالمشاريع التنموية؟ ولماذا الاستمرار في هذا البناء البيروقراطي للسلطة طالما أن المعركة معركة وجود! ولماذا الانشغال بتوزيع علامات حول الشفافية والإنجاز؟”.

ورأى موسى أن “الحلول ما زالت ممكنة والإرادة ما زالت قائمة، فإن كنا نرغب بالنجاة الوطنية جماعة وأفرادا، فعلينا اتخاذ قرارات شجاعة وعدم الاكتفاء بالتصريحات الشجاعة على أهميتها لأنها يجب أن تتحول إلى محرك وحافز وبرنامج إنقاذ، فلا يكفي أن نصيح بأننا في كارثة والكل يعلم أننا أكثر من ذلك، ولا يغني القول لإن الحكومات السابقة او الحكومة الحالية أحسنت أو أساءت، في زمن الأزمات والكوارث يبحث المسؤول عن الحلول، فلا يكفي أن تتحمل الحكومة وحدها عبء المرحلة”.

واعتبر أن “المطلوب الآن ودون أي تأخير إعلان حالة الطوارئ في البلاد بناء على توصية من الحكومة، وتأميم كافة المرافق العامة والخاصة والأهلية لأن ذلك يعني وقف أي التزامات مستحقة على القطاع العام. وأن يصدر الرئيس قرارا بقانون بوقف دفع الديون للبنوك والجهات المقرضة لمدة سنة على الأقل، مع وقف الفوائد والرسوم وغيرها، وأن يصدر الرئيس مرسوما بوقف السفر لجميع المسؤولين وإعلانه رسميا عن الامتناع عن السفر أيضا لغايات متابعته الشخصية للأزمة وإيجاد حلول معقولة لها”.

أما الأستاذ مصباح الحاج محمد، فرأى أن “قراءة عميقة ومستفيضة لتصريحات وزير المالية، تجعل الفلسطيني أمام حقيقة أن راتبا أو اثنين أخيرين قبل أن نقول جميعا ما قاله الوزير انتهت حلول الأرض”.

وأضاف: “يمكن أيضا قراءة عبارة الوزير العميقة والحزينة: الاحتلال أغلق الأبواب والآن أغلق الشبابيك. وكان يقصد بالأبواب أموال المقاصة، وقصد بالشبابيك: الدعم السعودي الإسباني…الخ”.

وختم قائلا: “وكما قال الشاعر: لكلّ داءٍ دواءٌ يُستطبُّ بهِ.. إلا (المقاصةَ) أعيَت من يداويها”.