منذ أن بدأت الاطلاع على الدراسات البنيوية في مطلع الثمانينيات، بدأت تتبلور في ذهني إمكانية قراءة القرآن الكريم بما تتيحه لي من أدوات وإجراءات تتأسس على تحليل القرآن الكريم، خطابا ونصا بطريقة مختلفة عما هو سائد من شروح وتفسيرات وتآويل. ينطلق التحليل من أن النص بنية كبرى تتكون من عناصر وبنيات صغرى تتضافر مجتمعة وتترابط لتشكيل فهم ملائم للنص، يتجاوز القراءات الخارجية للنص.
وبدا لي أن ما كان يقدم تحت فكرة تفسير القرآن بالقرآن، ما يعضد هذا المسعى. وفي نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثانية، ومع اطلاعي على نظرية النص المترابط، الذي ارتبط ببرمجيات الثورة الرقمية، بدأت تتعمق لديّ فكرة تحليل النص القرآني باستثمار المعرفة الجديدة، لكون النص المترابط يختلف في بنيته عن النص الذي صار مختزلا في كونه ورقيا، لأنه ينبني على الخطية التي لا نجدها في القرآن الكريم، الذي يبدو لي متعدد الأبعاد. وظل مشروع تحليل النص القرآني يتطور في ذهني على نار هادئة.
كان من بين أهم منجزات الثورة الرقمية في الوطن العربي إيلاء القرآن الكريم والحديث النبوي مكانة خاصة في ترقيمهما وتقديمهما بواسطة البرمجيات الجديدة. وكانت تجربة صخر رائدة في هذا المجال. وظل حلمي الكبير رؤية القرآن الكريم مقدما بواسطة تقنية النص المترابط، لأنها تتيح لنا قراءته، قبل تحليله، قراءة جديدة مختلفة عن القراءة الخطية، كما اعتدنا عليها في المصحف الشريف. ذلك لأن كتابة جديدة للقرآن الكريم تتيح لنا قراءة جديدة، وتسمح لنا بفهمه وتفسيره بشكل جديد، يتلاءم مع تطور تلقي النصوص وتفسيرها بتغير أشكال القراءات وأدواتها. ولعل ما يسمح لنا بتبني هذا النهج ليس كامنا فقط في التجديد الذي هو من ضرورات التطور والمواكبة، ولكن، أيضا، لأن القرآن الكريم يتماشى بصورة وثيقة مع تقنية النص المترابط، الذي هو عبارة عن عُقد (بنيات نصية) تترابط في ما بينها بواسطة (روابط). لقد نزل منجما من خلال آيات وسور (عقد). وعندما جمع في المصحف كان مبنيا على التوقيف النبوي الذي أعطاه بناء معماريا تتداخل فيه الآيات المكية والمدنية في سور معينة، أو تحتفظ كل منها بنسبتها إلى المدينة أو مكة. فجاءت السور متباينة الطول القصر، وثمة روابط لا حصر لها بينها جميعا. ولذلك يبدو للجميع أن القرآن الكريم مختلف عن كل النصوص الدينية وغيرها، المبنية على خطية تتمحور على محور دلالي ذي بداية ونهاية. ليست للقرآن الكريم بداية ونهاية، كما اعتدنا عليها في النصوص البشرية. ولهذا السبب يستغل البعض هذه الخاصية «القرآنية» المتفردة استغلالا دالا على الجهل، لرميه بالتفكك، وألا علاقة بين آياته في سورة واحدة، حيث يتم الانتقال من موضوع إلى آخر، من دون أن يكون هناك أي «رابط» يربط بينها. ولو فهم المتشككون ميزة القرآنية واختلافها عن خطية النصوص لما ذهبوا إلى ما يزعمون.
لقد دفعت تفاسير القرآن الكريم موضوعيا، وفهارس موضوعاته المختلفة الباحثين إلى اقتراح عدة محاولات لتقديمه مطبوعا ورقيا عن طريق التمييز بين الموضوعات، باستخدام الألوان مثلا ليسهل على القارئ معاينة هذه التحولات بين الموضوعات في مختلف سوره، فيكون ذلك مدخلا للفهم والتدبر. ونجمت عن ذلك في الألفية الجديدة مع بروز «خرائط العقل»، و»الخرائط الذهنية» محاولات عربية لاستثمار هذه التقنية، في تقديمه بواسطة الأشكال والصور، وإبراز ما تتضمنه كل سورة من «أفكار رئيسية»، تدور حول «محور» معين يتوزع إلى موضوعات متعددة ومترابطة، تؤكد وجود «وحدة عضوية: داخل كل سورة.
لقد تمكنت إبان قراءاتي للنص المترابط، منذ أواخر التسعينيات، ومحاولة الاشتغال به عندما كنت مهموما بتطوير السرديات والأدب الرقمي، أن اطلعت على منجز فرانكو موريتي، في مشروعه العلمي القائم على تبني المنهج الكمي في تقديم تاريخ جديد للأدب، باستثمار المعلوميات والإنسانيات الرقمية في مشروعه «القراءة عن بعد» (2000)، والذي طوره في كتابه: «خطاطات، خرائط، أشجار: نماذج مجردة من أجل تاريخ أدبي» (2005 ـ 2007) الذي قدم من خلاله قراءات للرواية من خلال عدة محاور (التشكل، التطور…) عبر خطاطات وخرائط وأشجار. وبدا لي أن هذا المشروع يمكن أن ينطبق أكثر على القرآن الكريم بناء على خاصية القرآنية التي يتميز بها.
يمكننا الحديث عن أدبيات واجتهادات في توظيف الخرائط الذهنية في القرآن الكريم، نجد من بينها: كتاب صفية عبد الرحمن السحيباني: «الخرائط الذهنية لسور القرآن الكريم، وكتاب سور القرآن المترابطة» (2023) لمحمد السيد ماضي الذي يعرف الخرائط الذهنية: «بكونها وسيلة حديثة نعبر من خلالها عن أفكارنا عبر مخطط نقوم برسمه باستخدام الكتابة والصور والرموز بدل الكلمات فقط». أما عاصم الجبوري فيعتبر كتابه «خرائط القرآن الكريم»: «تحفيزا للأذهان لتدبر سور القرآن» (2017)، مُصدّرا كتابه بمقدمة شاملة يبرز من خلالها خصوصية عمله بالقياس إلى غيره، منطلقا بدوره من التفسير الموضوعي مستفيدا من معرفته الهندسية بتقديم أشكال وخطاطات مختلفة عن غيره.
هذه الاجتهادات وغيرها مفيدة من نواح متعددة، فهي إلى جانب توجهها إلى من يرغب في حفظ القرآن الكريم، تفيد من يسعى إلى التدبر والفهم لأنها تعطي صورة شاملة عن أي سورة فيتمكن المتلقي من الإحاطة بمختلف موضوعاتها، وهي مؤطرة ضمن محور أو فكرة رئيسية فيساعده ذلك على «رؤية بصرية» عامة لمختلف الموضوعات الفرعية التي تترابط معها. ويبدو لنا أن باب الاجتهاد في هذا المجال مفتوح لأن القرآن الكريم عالم متميز ومتعدد الجوانب التي يمكن استكشافها. وكلما تطورت علاقتنا به ازدادت صلتنا بفهم مقاصده وجمالياته، وإدراك خصائص قرآنيته. إن أي متلق يمكنه الاستفادة من هذه الخرائط لتجديد القراءة والفهم وتعميق رؤيته للنص القرآني.
كاتب مغربي

