الحرب مع إيران تضع حماس والجهاد الإسلامي في مأزق؛ فالمنظمتان تدركان بأن أي بيان علني سيفسر كوقوف مع أحد الطرفين في المعركة الإقليمية؛ طرفها الأول إيران والآخر دول الخليج. كانت إيران خلال سنوات المصدر الرئيسي لدعم حماس والجهاد الإسلامي عسكرياً، لكن في المقابل هناك الكثير من قيادة حماس حالياً في قطر. العلاقة بين قطر وإيران معقدة جداً حتى في ظل غياب الهجمات الصاروخية والمسيرات الإيرانية، ولن تجد حماس والجهاد الإسلامي ظروفاً مواتية وحرية في العمل مثلما في الدوحة.
إذا أدانت قيادة حماس الهجمات ضد إيران، فذلك سيثر غضب دول الخليج التي تعتبر الهجوم الإيراني تهديداً. وإذا التزمت الصمت فقد ينظر إليها وكأنها تبعد نفسها عن حليف قديم في أصعب الظروف. “الصمت جزء من الاستراتيجية. التحدث مشكلة والصمت مشكلة. لكننا نختار الأنسب حالياً”، هذا ما أوضحه مسؤول فلسطيني رفيع المستوى على اتصال مع حماس والجهاد الإسلامي.
لقد قدرت مصادر فلسطينية وعربية بأن السيناريو الذي يقلق حماس والجهاد أكثر من غيره هو انهيار النظام الإيراني أو حدوث تغيير جذري فيه. فبالنسبة لهما، فالنتيجة توقف شبه كامل للدعم العسكري والمالي المقدم لهما. وحسب هذه المصادر، العلاقة مع إيران ليست سياسية فقط، بل شبكة معقدة من التمويل والتهريب والتدريب والتنسيق الأمني. وفي إطار هذه الشبكة، تم تطوير طرق بديلة على مدى السنين لنقل الأموال والسلاح عبر شبكات إقليمية وآليات سرية. وقال مصدر أمني عربي في حديثه مع “هآرتس”: “إذا انغلقت إيران على نفسها بعد أزمة داخلية أو تم إجبارها على تغيير سياستها الإقليمية، فستجد كل من حماس و”الجهاد” نفسها أمام مشكلة استراتيجية حقيقية، وهي كيفية الحفاظ على قدراتهما العسكرية دون رعاية مركزية”.
وشمل دعم إيران لحماس و”الجهاد” التدريب وتبادل الخبرة التقنية والمساعدة في تطوير السلاح والاندماج في محور إقليمي أوسع يتمحور حول طهران. وكان قادة حماس والجهاد الإسلامي يزورون طهران بشكل متكرر ويلتقون مع كبار مسؤولي النظام، بما في ذلك المرشد الأعلى في حينه علي خامنئي. وبسبب طبيعة العلاقة بين الحركتين وإيران، فإن أي تغيير في وضعهما قد يضعضع توازنهما الداخلي. ونظراً لهذا التعقيد، فقد اختارت حماس والجهاد الإسلامي الصمت التام تقريباً في الوقت الحالي.
مسؤولون كبار في م.ت.ف، حاليون وسابقون، يقارنون الوضع الآن مع الوضع الذي مرت فيه الفصائل والمنظمات الوطنية الفلسطينية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وبعد حرب الخليج الأولى في بداية التسعينيات. فعقب التغييرات التي شاهدها العالم والمنطقة في حينه، فقدت منظمات كثيرة مصادرها الرئيسية وتراجعت شعبيتها واضطرت إلى إعادة النظر في مسارها، مثلما فعلت دول الخليج وم.ت.ف نفسها. وحسب مسؤولين، فإن بقاء إيران لا يضمن الاستقرار بالضرورة، والحرب الطويلة أو الضغوط الدولية الكبيرة عليها قد تدفعها إلى توجيه مواردها للداخل، وفي هذه الحالة قد يتقلص دعمها للمنظمات الفلسطينية.
التغييرات المتوقعة في إيران تعمل على تأجيج نقاش داخلي حاد في حركة حماس؛ بين المعسكر الأقرب إلى محور إيران، وبين المعسكر الأكثر ارتباطاً بحركة الإخوان المسلمين والدول السنية في المنطقة، مثل تركيا ومصر. وقدر مصدر سياسي في حماس بأن “الانتخابات القادمة لمؤسسات قيادة حماس قد تعكس هذا النقاش، لا سيما إذا ضعف موقف إيران”. وفي هذا السياق، يذكر اسم خالد مشعل، الرئيس السابق للمكتب السياسي لحماس، مثلاً كشخص قادر على قيادة الحركة إلى المرحلة التالية وتبني أجندة مدنية.
مصدر فلسطيني على صلة وثيقة بقيادة حماس في الدوحة، أوضح بأن الهجمات الإيرانية على قطر بدأت بالفعل تؤثر على حماس. وقال هذا المصدر: “من المرجح أن تكون العلاقة بينهما (حماس وقطر) متوترة، هي في طور إعادة التقييم”. ومن غير المستبعد أن تجري حماس بعد انتهاء الحرب تقييماً للوضع بشأن مسارها المستقبلي وهوية قادتها، ما قد يؤدي أيضاً إلى قرار تقليص الجناح العسكري والتركيز أكثر على الجناح السياسي.
ليست مواقف قطر فقط هي التي تتغير، بل أصبحت تركيا أيضاً أكثر حذراً في تعاملها مع حماس والجهاد الإسلامي. ورغم أن الدعم السياسي والاقتصادي لقطر وتركيا لم يختف، فإنه لم يعد أمراً مفروغاً منه. في هذا السياق، ربما تعلن حماس والجهاد الإسلامي في نهاية المطاف عن تحولهما إلى أحزاب سياسية دون جناح عسكري، في السعي لإيجاد دولة توافق على استضافة قادتهما، سواء قطر أو أي دولة أخرى. إضافة إلى ذلك كله، تسمع في المجتمع الفلسطيني نفسه، لا سيما داخل حماس والجهاد، أصوات تعرب علناً عن خيبة أمل من إيران منذ 7 أكتوبر. ويعتقد بعض المنتمين للمنظمتين بأن قيادة طهران تخلت عن الفلسطينيين وتركتهم يواجهون الواقع في قطاع غزة وحدهم، دون أي تدخل حقيقي لصالحهم.
في هذه الأثناء، ما زالت حماس صاحبة السيادة في غزة
في ظل حالة عدم اليقين الإقليمي، تواصل حماس في قطاع غزة الحفاظ على حضور حكومي واضح لها غرب الخط الأصفر. ويصف أحد قادة فتح الذين ينتظرون في القطاع تولي لجنة التكنوقراط مهماتها واقعاً سهلاً نسبياً. وبحسبه، لم يطرأ أي تغيير على نشاطات حماس. فالحواجز تعمل، ومراكز الشرطة مفتوحة، وهناك محاولة للحفاظ على النظام العام، وبعض الخدمات المدنية استأنفت عملها، بما في ذلك إصدار بطاقات الهوية والنشاطات في مؤسسات التعليم. وقال: “يعملون بحذر، لكنهم في الحقيقة يديرون الأمور”. وأضاف بأن قيادة حماس في غزة تحاول إرسال رسالة تفيد بأنها مستعدة لتسليم السلطة لحكومة أخرى أو لجنة تكنوقراط، شريطة ضمان حقوق أعضاء الحركة والآليات القائمة. وأشار مسؤول في وزارة التربية والتعليم في غزة، إلى أن مظاهر حكم حماس ما زالت واضحة في القطاع. وقال إن شرطة المرور تتركز عند المفترقات، وإن الكثير من الوزارات الحكومية تعمل. وحسب أقواله، حتى لو أن حماس لا تملك ميزانية ضخمة، لكن نشاطها يرسل رسالة واضحة، وهي أنها حكومة أمر واقع. وقال: “الناس يشتكون من الأسعار فتتدخل الشرطة. يأتي الناس لحل النزاعات فيتولى الأمر من يتولى ذلك. هذه علامة على السيادة حتى لو كانت محدودة.
جاكي خوري
هآرتس 11/3/2026

