أكدت ثلاثة مصادر مطلعة لـ”القدس العربي” أن جولة الاجتماعات التي عقدها وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في العاصمة المصرية القاهرة الأسبوع الماضي، بشأن تطوير اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لم تحرز تقدمًا ملموسًا كما كان متوقعًا، لكنها لم تنتهِ بعد، إذ يجري الترتيب لعقد لقاءات أخرى قريبة، في ظل المقترحات التي طُرحت خلال الجولة لتقريب وجهات النظر.
وقال مصدر مطلع في حركة “حماس” لـ”القدس العربي” إن وفد الحركة عقد لقاءات مهمة مع قادة الفصائل الموجودين في مصر، واتفق معهم على “رد موحد” يُقدَّم إلى الممثل السامي لـ”مجلس السلام” نيكولاي ملادينوف، خلال الزيارة، على مقترح كان قد قدمه الشهر الماضي للحركة، يتضمن الذهاب إلى تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وأشار المصدر إلى أن المجتمعين من قادة الفصائل الشريكة أجمعوا على عدم التعاطي مع هذا الطرح، خاصة أنه يركز بالأساس على “نزع سلاح المقاومة”، من دون أن يراعي أيًا من المطالب الفلسطينية، أو يُلزم إسرائيل بالتطبيق.
مسار جديد
وقال إن قيادة الحركة، التي التقت أيضًا وسطاء التهدئة المصريين، ومن قبلُ الوسيط التركي، أبدت مخاوف كبيرة من المقترح المقدم، في ظل عدم وجود ضمانات لإلزام إسرائيل بالتنفيذ، استنادًا إلى ما تفعله إسرائيل منذ أن بدأ العمل بتطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق يوم 10 تشرين الأول / أكتوبر من العام الماضي، إذ تواصل القصف والقتل اليومي، ولا تلتزم بتخفيف إجراءات الحصار عن غزة، وبدء عملية الإغاثة.
وخلال اللقاءات، أبدى وفد “حماس” خشيته من الخطط الإسرائيلية الأخيرة، التي تعتمد على التصعيد الميداني من خلال القتل اليومي والقصف في عمق غزة، وتشديد إجراءات الحصار، وعدم الالتزام ببنود البروتوكول الإنساني، وذلك بعدما نقلت الحالة القائمة منذ الاتفاق الموقع من حالة “الهدوء الهش” إلى مرحلة “الاستنزاف”.
ويدور الحديث بشكل قوي عن أن الوسيط المصري، في ظل حالة الجمود بعد رفض الفصائل التعاطي الكامل مع خطة “مجلس السلام”، ومن أجل معالجة الأمور ومنع الانزلاق إلى مربعات أخطر من التصعيد، يعمل على محاولات جادة لتجنب كل ذلك، من خلال فتح مسارات جديدة، خاصة أن الفصائل أكدت للوسطاء، بعد دراسة الخطة، أنها تحمل “تهديدات” بعودة الحرب من جديد، وهو ما كرره رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الأسبوع الماضي، في خضم لقاءات القاهرة.
وتقوم المسارات الجديدة التي قُدمت من أجل المحافظة على الحالة القائمة، وعدم الذهاب صوب التصعيد من جديد، لما يمثله ذلك من أخطار كبيرة قد يصعب حلها مستقبلًا، على طرح فكرة تنفيذ البنود التي وردت في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، لتكون ممرًا للذهاب إلى عقد مفاوضات لبحث وتنفيذ المرحلة الثانية.
نزع السلاح
ووفقًا لمصدر آخر في أحد فصائل المقاومة الشريكة في المفاوضات، فإن هناك “رفضًا” للنقاط التي وردت في خطة “مجلس السلام” الخاصة بـ”سلاح المقاومة”.
وقال المصدر لـ”القدس العربي” إن تركيز ملادينوف في الخطة وخلال الاجتماعات على هذا البند، واشتمال الخطة على تهديدات بعودة الحرب في حال لم يتم تطبيقه، “أثار شكوكًا كبيرة لدى فصائل المقاومة، جرى بحثها بعمق خلال الاجتماع الأخير في القاهرة”.
وأكد أن ملادينوف، رغم إصراره في اللقاء الذي عقد معه على تنفيذ خطة “مجلس السلام” المقدمة، فشل في انتزاع موافقة فلسطينية على “نزع السلاح”، وأنه أيضًا لم يقدم أي ضمانات لتطبيق بنود الاتفاق.
وأشار إلى أن هذه المقترحات لا تشمل أي التزام إسرائيلي بالتطبيق الخاص بتطوير مراحل اتفاق وقف إطلاق النار، وإن الاجتماع تمخض عن رفض فصائل المقاومة مبدأ “نزع السلاح”، وأبلغت رؤيتها بأن هذا الملف مرتبط بحل سياسي شامل يعطي الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، وأبدت تعاونًا من أجل الحفاظ على استمرار وتطوير اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه توقع في الوقت ذاته أن تذهب إسرائيل إلى “تسخين ساحة غزة”، من خلال زيادة حدة التصعيد العسكري وعمليات القتل اليومي والقصف واستهداف البنى الأمنية والشرطية.
وقال المصدر في حركة “حماس” لـ”القدس العربي” إن هناك خط اتصال مفتوحًا مع الفصائل الشريكة، وإن هناك لقاءات قريبة تبحث في تطورات الملف، بما يشمل عقد جولات جديدة من اللقاءات مع الوسطاء في مصر وتركيا، وأضاف: “الأيام القادمة سوف تُظهر مدى قدرة الوسطاء والتدخل الأمريكي على ترجيح أحد المسارين، إما استمرار التصعيد والاستنزاف، أو الذهاب إلى تنفيذ بنود المرحلة الأولى”.
ضمانات التنفيذ
وكشف أن وفد الحركة سأل ملادينوف بشكل مباشر عن عدم قيام إسرائيل بتنفيذ كامل بنود اتفاق المرحلة الأولى، بعدما قدم له بالبينات كميات المساعدات التي دخلت، والتي تعد أقل بكثير من العدد المتفق عليه، وعن سوء الأحوال الإنسانية في غزة بشكل خطير، استنادًا إلى ما ورد في تقارير المنظمات الإغاثية الأممية التي تعمل في غزة، وتقارير حقوقية أخرى، وعن الأوضاع المتدهورة للسكان بفعل الحصار واستمرار عمليات القتل اليومي، من دون أن يقدم إجابة على ذلك.
ورافق ملادينوف في اللقاء قائد “قوة الاستقرار الدولية” التي شكلها “مجلس السلام” ولم تبدأ عملها بعد، في بداية اللقاء، لكن حضوره لم يدم طويلًا، فيما بقي المسؤول الأمريكي أرييه لايتستون مشاركًا في اللقاء الذي عقد بين “حماس” وملادينوف.
وقال مصدر آخر في اللجنة الوطنية لإدارة غزة لـ”القدس العربي” إن اللجنة لم تتدخل في تلك الاجتماعات التي عقدها ملادينوف، وأكد أن مهمة عمل اللجنة إدارية وإغاثية، وأنها حتى هذه اللحظة لم تبدأ عملًا حقيقيًا، فيما يشكل التمويل اللازم لمشاريعها أحد أبرز المعيقات. وقال كذلك إن الحرب الأخيرة مع إيران أجلت خطوات كثيرة من عمل اللجنة، في ظل الانشغال الأمريكي والإقليمي.
وتخلل اللقاء أيضًا حديث موسع من وفد “حماس” حول استمرار إسرائيل في احتلال مساحات واسعة من قطاع غزة تقع خلف “الخط الأصفر”، وبيان أن الوقائع على الأرض تؤكد رفض إسرائيل الانسحاب في الوقت القريب، بما يخالف ما جاء في بنود خطة “مجلس السلام”، وذلك استنادًا إلى تصريحات علنية أطلقها قادة الاحتلال مؤخرًا، وإلى وقائع ميدانية تمثلت في بناء المزيد من الثكنات العسكرية على طول الخط، والمقدر عددها حاليًا بـ20 ثكنة.
وقال المصدر في “حماس” إنه رغم ذلك، لا تزال هناك قنوات اتصال قائمة، على أمل إيجاد صيغ قريبة، خاصة أن الفصائل ستقدم قريبًا مبادرة لطرحها على الوسطاء بهدف دفع تنفيذها، ترمي إلى الحفاظ على الاتفاق ومنع عودة الحرب.
وأكد: “لا نزال متمسكين بتنفيذ بنود المرحلة الأولى، قبل البحث والانتقال إلى المرحلة الثانية، هكذا فهمنا حين جرى الاتفاق في شرم الشيخ”، وأكد أن وفد “حماس” تشدد خلال اللقاء مع ملادينوف والمسؤول الأمريكي على ضرورة وجود خطة انسحاب إسرائيلية من غزة، وعلى وجود “ضمانات” تلزم إسرائيل بذلك.
وكان ملادينوف قد قدم خطة لحركة “حماس” لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، تشمل “نزع سلاح المقاومة”، وتربط الانسحاب الإسرائيلي من غزة، وكذلك بدء مشاريع الإغاثة والتنمية، بهذا الأمر، ومع بدء انطلاق مفاوضات “حماس” الأسبوع الماضي هدد رئيس الحكومة الإسرائيلية بالعودة إلى الحرب، حين أبلغ أعضاء المجلس الوزاري المصغر أنه سيكون من الصعب تشكيل تحالف دولي لنزع سلاح “حماس”، وقال إن إسرائيل “ستضطر إلى القيام بذلك بنفسها”.
وأصدرت حركة “حماس”، الأحد، بيانا دعا إلى إلزام إسرائيل بتطبيق بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة، لإتاحة المجال للدخول في حوار جدي حول قضايا المرحلة الثانية.
وقالت الحركة: “عقد وفد الحركة في القاهرة الأسبوع الماضي عددا من اللقاءات والحوارات مع الوسطاء والفصائل الفلسطينية، من أجل العمل على استكمال تطبيق كافة بنود المرحلة الأولى بحسب ما ورد في اتفاق شرم الشيخ، حيث لم يلتزم الاحتلال الصهيوني بتطبيق معظم التزاماته فيه، بل واصل خروقاته بشكل يومي”.
وأضافت الحركة: “تعاملنا بشكل إيجابي مع الحوارات والنقاشات التي جرت، وأكدت حرصها على استمرار التواصل والتنسيق مع الوسطاء، لإنجاز اتفاق مقبول في ضوء مبادرة الرئيس (الأمريكي دونالد) ترامب واتفاق شرم الشيخ، لوضع حد للمعاناة الإنسانية في قطاع غزة، وانسحاب قوات الاحتلال من كامل القطاع، وبدء عملية الإعمار”.
وأكدت الحركة ضرورة “إلزام الاحتلال بتطبيق بنود المرحلة الأولى لإتاحة المجال للدخول في حوار جدي حول قضايا المرحلة الثانية”.

