نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده روبي غريمر وسمر سعيد، قالا فيه إن الولايات المتحدة تسعى لإعادة ضبط العلاقات مع دولة أفريقية منعزلة ولكنها مهمة: إريتريا، التي توصف عادة بأنها كوريا الشمالية الأفريقية، ويحصنها ساحلها على البحر الأحمر من النفوذ الإيراني.
وجاء في التقرير أن إدارة ترامب تدرس سبل إعادة ضبط العلاقات مع دولة منعزلة واستبدادية تسيطر على مواقع جيوسياسية إستراتيجية على طول البحر الأحمر، في ظل تهديد إيران بقطع ممر بحري حيوي ثان على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة.
جهود واشنطن ببناء علاقاتها من جديد مع إريتريا ترتبط بتهديد جماعة الحوثيين بإغلاق حركة الملاحة في البحر الأحمر
وأفاد مسؤولون حاليون وسابقون مطلعون على الأمر، بأن المسؤول البارز في إدارة ترامب، مسعد بولس، أبلغ نظراءه الأجانب بأن الولايات المتحدة تعتزم البدء في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، الدولة الأفريقية الصغيرة التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل.
ويأتي هذا في إطار جهود إدارة ترامب لاستعادة علاقات دبلوماسية مع إريتريا لأول مرة منذ عقود. وقال مسؤولون آخرون إن خطة تطبيع العلاقات مع إريتريا ورفع العقوبات عنها لا تزال قيد المراجعة ولم يتم اعتمادها بعد.
وربطت الصحيفة جهود واشنطن ببناء علاقاتها من جديد مع إريتريا بتهديد جماعة الحوثيين، بإغلاق حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر، وسط مساعي طهران لقطع التجارة عبر مضيق هرمز منذ بدء حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشارت الصحيفة إلى أن محاولات ضبط العلاقات من جديد مع إريتريا سبقت الحرب الأمريكية على إيران، إلا أن تحركات طهران لإغلاق مضيق هرمز قد زادت من اهتمام الإدارة الأمريكية بأمن البحر الأحمر، الذي تستخدمه بعض الدول الرئيسية المصدرة للنفط في الشرق الأوسط لتجاوز الخليج العربي.
وأشارت الصحيفة إلى أن مضيق هرمز يعتبر بوابة إلى ثروة الشرق الأوسط النفطية الهائلة على الجانب الشرقي من شبه الجزيرة العربية.
وقد هدد الحوثيون أكثر من مرة بإغلاق مضيق باب المندب عند مدخل البحر الأحمر دعما لطهران. وقال مسؤولون وآخرون مشاركون في المحادثات إن بولس، مبعوث الرئيس ترامب إلى أفريقيا، التقى سرا بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي أواخر العام الماضي في القاهرة، وكان الهدف من الاجتماع مناقشة تخفيف العقوبات الأمريكية وإطلاق حوارات رفيعة المستوى لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية الإريترية. كما التقى بولس، يوم الاثنين، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة. وأفاد مسؤولون بأن مصر تساعد في تيسير الحوار بين الولايات المتحدة والزعيم الإريتري.
وخلال ذلك الاجتماع، أبلغ بولس السيسي بأن الولايات المتحدة تعتزم البدء برفع العقوبات عن إريتريا قريبا، وذلك حسب مسؤولين مطلعين على الأمر.
وكان بولس قد التقى سابقا بوزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد في أيلول/ سبتمبر على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب مسؤولين.
بولس التقى سرا بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، وكان الهدف مناقشة تخفيف العقوبات الأمريكية وإطلاق حوارات رفيعة المستوى لإعادة ضبط العلاقات الأمريكية الإريترية
ونقلت الصحيفة عن متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن إدارة ترامب تتطلع إلى تعزيز العلاقات الأمريكية مع شعب وحكومة إريتريا. ولم يجب المتحدث على أسئلة محددة تتعلق بتخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على إريتريا، كما لم تتح الوزارة الفرصة لإجراء مقابلة مع بولس. ولم ترد وزارة الخارجية المصرية والسفارة الإريترية في واشنطن على طلب للتعليق.
ولم تتقدم محاولات إعادة ضبط العلاقات بين الولايات المتحدة وإريتريا خلال الأشهر الماضية بشكل كبير، نظرا لهيمنة أزمات كبرى على اهتمام الإدارة، بما فيها غزة والآن إيران.
ووصل أفورقي إلى الحكم منذ استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993، وقد عزز سلطته منذ ذلك الحين ليؤسس واحدة من أكثر الأنظمة الديكتاتورية قمعا في العالم. ووصفت لجان الكونغرس الأمريكي إريتريا بـ”كوريا الشمالية الأفريقية”، بسبب قمعها الممنهج للمعارضين السياسيين والحريات الدينية، فضلا عن تعذيب السجناء والتجنيد الإجباري لغالبية شباب البلاد في الخدمة العسكرية. وتصنف منظمة “فريدوم هاوس”، التي تقيم الحقوق السياسية والحريات المدنية على مستوى العالم، إريتريا وكوريا الشمالية في المنزلة نفسها، كأكثر دول العالم استبدادا.
ولدى إريتريا ثروة من الموارد المعدنية، ويقع ساحلها على البحر الأحمر مقابل السعودية واليمن، فيما تضم جيبوتي المجاورة أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم، بما في ذلك قواعد تابعة للولايات المتحدة والصين وفرنسا واليابان وإيطاليا، مما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة للقوى الأجنبية.
وشنت إدارة ترامب حملة جوية عسكرية استمرت شهرين ضد الحوثيين في عام 2025، بعد أن استهدفت الجماعة الملاحة التجارية في البحر الأحمر بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة. وأوقف ترامب الحملة في أيار/مايو بعد أن أعلن موافقة الحوثيين على وقف الهجمات على خطوط الملاحة التجارية. ومع ذلك، أثار تهديد الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب والعودة لاستهداف السفن مخاوف جديدة بشأن حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
لدى إريتريا ثروة من الموارد المعدنية، ويقع ساحلها على البحر الأحمر مقابل السعودية واليمن، فيما تضم جيبوتي المجاورة أكبر تجمع للقواعد العسكرية الأجنبية في العالم
وخلص بعض المسؤولين الأمريكيين إلى أن الوضع الراهن، المتمثل في العقوبات والتواصل المحدود مع إريتريا، غير مجد، وأن التلويح بإمكانية رفع العقوبات لبدء الحوار قد يحقق للولايات المتحدة فوائد طويلة الأمد في منطقة البحر الأحمر. وقال هؤلاء المسؤولون إن منطقة البحر الأحمر ذات أهمية استراتيجية بالغة، ولا يمكن للولايات المتحدة تجاهل محاولة إعادة فتح العلاقات مع إريتريا، على الرغم من سجل إريتريا في مجال حقوق الإنسان.
وقد شكك بعض المحللين في هذا المنطق. وقال كاميرون هدسون، المسؤول السابق في الاستخبارات ووزارة الخارجية الأمريكية والمتخصص في شؤون المنطقة: “عادة، عندما نرفع العقوبات، يكون البلد قد فعل ما يستحق ذلك. إنها الدولة العسكرية الاستبدادية نفسها التي كانت عليها منذ عام 1993. إذا كنا سنكافئها برفع العقوبات، فماذا سنحصل في المقابل؟”.
وبالمقابل، قال مسؤولون آخرون إن إعادة ضبط العلاقات الأمريكية مع إريتريا قد تؤثر على الصراعات والتنافسات في مناطق أخرى من القرن الأفريقي الذي مزقته الحروب. وقد أعرب مسؤولون أمريكيون، في أحاديث خاصة، عن مخاوفهم من أن إثيوبيا تستعد لحرب مع إريتريا، إذ تزعم الدولة البعيدة عن البحار أن لديها حقوقا تاريخية بسواحل إريتريا.

