تراجع الرئيس ترامب المفاجئ قبل ساعات مما كان يفترض أن يكون “فتح باب الجحيم على إيران”، فسره بأنه استجابة لطلب من باكستان. وقال إن ذلك جاء بعد أن اتضح وجود خلافات رأي داخل القيادة الإيرانية. ظاهرياً، منح ترامب القيادة الإيرانية مهلة غير محدودة “لتسوية الأمور” الداخلية، وصياغة موقف متفق عليه، والعودة بإجابة كاملة ومرضية على كل القضايا.
لكن التجارب المتراكمة تظهر أنه من الأفضل التعامل بحذر شديد مع أي جدول زمني يصدره البيت الأبيض، وكذلك مع الذرائع التي يقدمها الرئيس لتبرير قراراته. إن تأجيل الهجوم إلى أجل غير مسمى قد يوحي بأن هذا الوضع الراهن قد يستمر أياماً أو أسابيع أو حتى أشهراً. ولكن مع شن إيران هجمات والاستيلاء على سفن في الخليج الفارسي، وتفعيل الحصار البحري لمضيق هرمز بموازاة الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة، قد يصدر الإعلان الجديد بسرعة.
إن الخلاف داخل القيادة الإيراني ليس بالأمر الجديد، بل عنصر دائم. يكفي النظر إلى قائمة المشاركين في اللقاء الأول في إسلام آباد، الذي شارك فيه وفد إيراني يتكون من 70 عضواً، لفهم الصعوبات التي واجهها محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، الذي يبدو أنه مخول بإجراء المفاوضات من قبل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. لم يكن هذا مجرد وفد من المهنيين جاء لإجراء محادثات عملية حول قضايا المشروع النووي والصواريخ ورفع العقوبات وإجراءات الملاحة في مضيق هرمز، بل إن قاليباف شكل تحالفاً سياسياً داعماً ضم رجال دين وأعضاء في البرلمان ومهنيين، مثل محافظ البنك المركزي عبد الناصر الحماتي، الذي كان من بين أعضاء الحزب الإصلاحي. وقد غاب عن اللقاء معارضون محتملون مثل سعيد جليلي، الخصم السياسي اللدود لقاليباف، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القادر، وقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي. ولكن غيابهم لم يمنعهم من رفع صوتهم وانتقاد رئيس البرلمان، سواء فيما يتعلق بأساليب إجراء المفاوضات أو القضايا الاستراتيجية التي كان من المفروض أن تحلها.
أيضاً شهدت السنوات الأخيرة خلافات شديدة بين كبار المسؤولين في النظام، التي تم كشفها للعلن. فمثلاً، اتهم الرئيس السابق حسن روحاني الحرس الثوري بتقويض الإصلاحات الاقتصادية والسيطرة على اقتصاد البلاد. وصرح وزير الخارجية في حينه جواد ظريف، بأن قاسم سليماني كان يعرقل المفاوضات التي أجراها حول الاتفاق النووي، وحتى إن محمود أحمدي نجاد قطع علاقته مع المرشد الأعلى علي خامنئي لفترة من الزمن، وفي الفترة الأخيرة جاءت أنباء عن هجوم قاليباف نفسه على قائد الحرس الثوري وحيدي، واتهمه بتعمد الإضرار بالمفاوضات، بل ومحاولة عزله من منصبه كرئيس للبرلمان.
مع ذلك، إذا كانت مثل هذه الخلافات في السابق يتم حسمها في مكتب خامنئي، الذي كان بحكم سلطته وسيطرته على آلية النظام و”ميزانيته” يحدد النتيجة، فإن إيران الآن تفتقر إلى قائد ذي سلطة. فاللقب الرسمي الذي يحمله خامنئي الابن، الذي بات “قائد غائب”، لا يكفي لثني الخصوم السياسيين. وقد يكون من نتائج ذلك أن الخلاف بين قوى القيادة سيبقى قائماً، ما سيصعب على إيران التوصل إلى قرار وتقديم نص متفق عليه على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة.
في ظل غياب قرار سياسي، فإن الافتراض بأن استمرار الحصار سيجبر القيادة الإيرانية على توحيد الصفوف واتخاذ قرار يرضي ترامب، لا يضمن حلاً سحرياً. فتأثير الحصار البحري والاقتصادي مهما بلغ من شدته وخنقه، لا يظهر واضحاً في يوم واحد، ويتجلى ذلك في ظل امتلاك إيران احتياطات مالية كبيرة، وانفتاح طرق استيرادها وتصديرها البرية جزئياً، وإمكانية تقديم الصين المساعدة لها استناداً إلى اتفاقية التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدولتين.
إيران، التي تعتبر نفسها ناجحة في تحقيق توازن في الردع العسكري مع الولايات المتحدة بعد مهاجمتها لدول الخليج، هددت بالفعل بأنه في حالة قصف الولايات المتحدة لمحطات الطاقة في إيران فإنها ستقصف أيضاً محطات الطاقة وتحلية المياه في دول الخليج لتكون هدفاً مباشراً. وإذا استمر الحصار الأمريكي، أو في حالة هجوم أمريكي، قد تحاول إيران إغلاق مضيق باب المندب قرب اليمن، مع المعرفة بأنه لا يوجد ما يضمن امتثال الحوثيين، الذين يجرون “حواراً غير رسمي” مع السعودية، لتوجيهات طهران في هذه المرة. مع هذا الكم الكبير من التهديدات، قد تفترض إيران أن قدرتها على التفاوض مع الولايات المتحدة لم تستنفد بعد، وأن وضعها في التنافس على قدرة الامتصاص أفضل من وضع الولايات المتحدة. وإذا كان ترامب ينوي كسب الوقت اقتصادياً، فلدى إيران ما يكفي من هذا المورد. إيران لا تخفي الأضرار الاقتصادية والخسائر الكبيرة التي خلفتها الحرب، لكنها تستغلها الآن لإقناع الرأي العام بـ “عدالة الكفاح” ضد العدو الذي “يسعى إلى السيطرة على مواردها الوطنية”.
“لم تكن الأنقاض التي سقطت على الطبقة العاملة في ضواحي طهران طوباً وحديداً فقط، بل كانت خبزاً وأمناً وظيفياً ومستقبلاً. والآن في ظل وقف إطلاق نار هش، ومع همسات الحرب المتجددة التي تدوي في أذن المدينة، فتحت جراح الاقتصاد العميقة أكثر من أي وقت مضى. ومع هجمات الامبريالية الأمريكية وذراعها الإقليمية، إسرائيل، على البنى التحتية الاقتصادية التي تشمل صناعة البتروكيماويات والصلب والمصانع الأم “للفروع المحلية”، بدأت سلسلة الإغلاقات والركود الاقتصادي تتحرك”، هذا الأسلوب الأدبي البليغ افتتح به أمس مقال لسعيد حسام الدين في موقع وكالة أنباء “إيلنا” الإيرانية العريقة، التي تعنى بالشؤون الاقتصادية وشؤون العمال وحقوقهم، وتخضع لرقابة الحكومة، ولكنها تنشر أيضاً قدراً كبيراً من الانتقادات لأدائها.
أثناء جولته في المناطق الصناعية في ضواحي طهران، وصف حسام الدين معاناة العمال الذين تم تسريحهم من العمل بعد إغلاق المصانع بسبب الحرب، وتم حرمانهم من حقوقهم. وقال: “الأمر الأكثر ألماً أنه إضافة إلى فقدان الأمن الوظيفي، ألغت الإدارة الحقوق التي كان يتمتع بها العمال الباقون مثل وجبة الفطور والغداء والعشاء وحتى خدمة النقل”.
في اليوم نفسه، قال المتحدث باسم بلدية طهران، عبد الماهر محمد خاني، إن البلدية وفرت أماكن إقامة في 45 فندقاً لحوالي 6600 من السكان الذين فقدوا بيوتهم في القصف الذي ألحق الضرر بحوالي 46 ألف منزل. ولكن المتحدث أضاف أن “أعمال إعادة الإعمار تجري بالفعل في حوالي 60 في المئة من المباني. ولم تشر أي تقديرات رسمية دقيقة إلى حجم الأضرار الناتجة عن الحرب في إيران، باستثناء التقدير العام الذي نشرته المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني قبل عشرة أيام، والذي أفاد بأن البلاد تكبدت خسائر مباشرة وغير مباشرة بلغت حوالي 270 مليار دولار”.
ظاهرياً، تعتبر المنشورات التي تتناول الوضع الاقتصادي المتردي في إيران، فضلاً عن المقالات التي تتناول معاناة ضحايا الحرب، تتعارض مع تطلعات النظام لإظهار “موقف حازم” وقدرة على استيعاب الخسائر، ويتوقع أن تخضع هذه المنشورات للرقابة. مع ذلك، فإن هذه التقارير غير جديدة؛ فقد نشرت تقارير مشابهة لسنوات، ليس فقط في وسائل إعلام المعارضة أو في الشبكات الاجتماعية – عندما لم تكن هذه المواقع محظورة – بل أيضاً من قبل أعضاء موالين للنظام في البرلمان وخبراء في الاقتصاد ومؤسسات بحث حكومية، وحتى من قبل وزراء في الحكومات.
إذا كانت هذه التقارير تستخدم في “الأوقات العادية” كذخيرة سياسية لمهاجمة الحكومة الحالية، فإنها تستخدم في أوقات الحرب كمادة دعائية لإثبات جرائم “الغرب الإمبريالي” وتبرير المساومة الشديدة التي يخوضها النظام مع خصومه. وتظهر الاستطلاعات بأن غالبية الشعب غير مقتنعة بهذه التفسيرات. مع ذلك، عندما يتبنى النظام هذه الرواية فهو بذلك يحولها إلى عنصر مهم في المفاوضات، يلزمه بتحقيق إنجازات ملموسة للشعب.
تسفي برئيل
هآرتس 23/4/2026

