ينطلق مدير التحالف الأمريكي الشرق أوسطي للديمقراطية طوم حرب من قراءة حاسمة للمشهد اللبناني، يعتبر فيها أن ما يجري اليوم ليس خياراً لبنانياً بقدر ما هو نتيجة تحوُّل استراتيجي فرضته الحرب الأخيرة وما تلاها من تفاهمات دولية. وبحسب تقديره، وهو اللبناني – الأمريكي المنتمي إلى الحزب الجمهوري، فإن لبنان دخل فعلياً مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة الصراع إلى محاولة فرض مسار سلام، برعاية أمريكية مباشرة، يقودها الرئيس دونالد ترامب ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ويرى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يحاول المناورة داخل هذا المسار عبر حصر التفاوض بالإطار الأمني وربطه بتطورات إقليمية، ولا سيما المسار السعودي، لتفادي الذهاب سريعاً إلى اتفاق سلام شامل. إلا أن هذا التوجّه يصطدم بإرادة أمريكية واضحة لفصل المسارات وفرض تسوية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، تترافق مع هدف موازٍ يتمثل في تجريد «حزب الله» من سلاحه.
ويؤكد حرب أن التحولات لم تعد داخلية فقط، بل ترتبط عضوياً بمصير المواجهة مع إيران، حيث إن أي تسوية – أو تصعيد – على هذا المستوى سينعكس حكماً على لبنان. وفي ضوء ذلك، يطرح السؤال الجوهري: هل يملك لبنان القدرة على التكيّف مع هذه المرحلة والدخول في معادلة الاستقرار مقابل السلام، أم أنه سيتجه نحو جولة جديدة من عدم الاستقرار إذا بقيت التوازنات الداخلية على حالها؟ وهنا نص الحوار:
○ كيف تقرأ المشهد اللبناني بعد الإشكالية الداخلية التي أثارها عُنوان التفاوض المباشر مع إسرائيل؟
• رئيس الجمهورية جوزيف عون يريد التفاوض على الأمن ووقف القصف وأيضاً على انسحاب إسرائيل من لبنان وإعادة الإعمار، ومن ثم التوقف عند هذه النقطة. ويريد انتظار السعودية حتّى تقوم بإنجاز اتفاق سلام مع إسرائيل ليدخل بعدها المرحلة الثانية من السلام مع إسرائيل، وهذا مرفوض من الجانب الأمريكي. فكما يتم فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني، يجب أن تكون عملية السلام بين لبنان وإسرائيل منفصلة عن المسار السعودي. جوزيف عون يناور ويحاول الاتصال بالسعوديين والفرنسيين للضغط على الأمريكيين كي لا يفرضوا عليه أكثر من ذلك.
○ الرئيس عون هو الذي يتحرَّك بهذا الاتجاه أم أن السعودية هي التي تعمل على أن يكون الاتفاق بين لبنان وإسرائيل اتفاقاً أمنياً ولس اتفاق سلام؟
• هو الذي يتحرَّك بهذا الاتجاه، وليسوا هم، لأنهم يرون أن أمريكا تقوم بعمل جيد جداً بالنسبة للشرق الأوسط، وخاصة في موضوع إيران، لذلك لن يكونوا حجر عثرة، لكن الرئيس عون من خلال تحركاته يريد أن يوحي وكأن مسار الأمور نتيجة تَحرُّك سعودي أو مصري وليس نتيجة تحركاته. هذا ما يحاول تسويقه في لبنان، وهذا ما تشي به المعلومات التي لدينا.
○ هناك خشية من أن يكون قبول لبنان بالتفاوض المباشر مع إسرائيل قفزة بالمجهول؟
• لا، لأن هذا أمر مفروض، فلو لم تقم إسرائيل باغتيال (الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»،) حسن نصر الله وضرب الترسانة العسكرية لـ«الحزب» لما كان جوزيف عون رئيساً للجمهورية ولا نواف سلام رئيساً للحكومة. كان الستاتيكو موجوداً ولم يكن يحدث شيء. فبعد أن فرضت إسرائيل هذا الأمر، ومن ثمَّ جاءت إدارة ترامب، حصل تفاهم إسرائيلي – أمريكي على ما ستكون عليه الأمور في لبنان، وعلى رغبة إسرائيل بالسلام. نحن الأمريكيون من أصل لبناني الداعمون لترامب قلنا له: إننا دعمناك في أمريكا ووجَّهنا كل هذه المجموعات التي نعرفها لانتخابك وما نريده هو تجريد «حزب الله» من سلاحه والسلام مع إسرائيل، فترامب لا يستطيع التملص من الجالية اللبنانية – الأمريكية ولا من الجاليات الشرق أوسطية التي تريد السلام وتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية، وهو مؤمن بهذا. هذا ليس خدمة لإسرائيل، لأن إنجاز اتفاق سلام مع لبنان لا يهمها في النتيجة، بل كل ما يهمها هو أمنها، وإذا إسرائيل أنجزت اتفاق سلام، فلن تعود هناك بؤر أمنية تخرق المجتمع اللبناني. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان ستتكفل هي بمعالجة الموضوع الأمني، ويجوز أن تعود وتدخل لبنان وتدمر من جديد كل 10 أو 15 سنة، ونحن نقول للأمريكيين إن السلام هو الحل الوحيد الذي سيمنع البؤر الأمنية في المستقبل.
○ وهل لبنان قادر على إنجاز اتفاق سلام مع إسرائيل من دون موافقة الطرف الأساسي المعني بالحرب وهو «حزب الله»؟
• إذا كانت لدى لبنان خطة لتجريد «حزب الله» من سلاحه فسيصل إلى نتيجة، ولكن إذا لم النيّة موجودة فلن يصل إلى السلام. جوزيف عون ونبيه بري أخذا قراراً بعدم تجريد «الحزب» من سلاحه، منذ انتخاب عون رئيساً للجمهورية.
○ ماذا يُفيد التفاوض المباشر مع إسرائيل إذا كان ما سيتم الاتفاق عليه مع الإسرائيليين غير قابل للتنفيذ؟
• هذا يعود إلى ما سيتم الاتفاق عليه. إذا أنجز لبنان اتفاقية سلام مع إسرائيل فأمريكا ستساعده على تجريد «حزب الله» من سلاحه، ولكن إذا اقتصر التفاوض على الموضوع الأمني، فالأمريكيون يعرفون أنه كما كل مرة ينسحب فيها الإسرائيليون ويقولون إنهم يريدون الحفاظ على الأمن على الحدود فسيعودون بعد عشر سنوات أو أكثر ويقعون في المصيبة نفسها. السؤال الذي يُسأل اليوم هو: هل مصلحة الشعب اللبناني تقتضي أن يكون هناك سلام أم لا؟ أكيد مصلحة الشعب اللبناني أن يكون هناك سلام، وهذا معناه أننا دخلنا معادلة جديدة أولها فتح الحدود بين لبنان وإسرائيل. عندها يمكن للأمريكيين بسهولة، إذا كانت ستحصل أي بؤر أمنية، أن ينسقوا مع الجيش اللبناني ومع الإسرائيليين.
○ نقل الاجتماع الثاني بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي من مقر الخارجية الأمريكية إلى البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب فاجأك ولا سيما أنك من الذين اعتبروا أن اللقاءات في مقر الخارجية يوحي بأن واشنطن لا تولي الاجتماع الاهتمام المطلوب؟
• بصراحة أنا تفاجأت بهذا اللقاء، ولكن ترامب نقله إلى البيت الأبيض ليقول إن المشكلة في لبنان هي «حزب الله» وأننا سنذهب إلى سلام بين لبنان وإسرائيل ولمساعدة لبنان على تجريد «الحزب» من سلاحه، أي ربط الأمرين ببعضهما. هو يستمع لما نريده، ويقول إنه وضع هاتين المجموعتين في «البيت الأبيض» ليقول لهما إننا نريد تجريد «الحزب» من سلاحه والذهاب إلى سلام. وهذا طبعاً ضغط أمريكي – لبناني خاصة أنه من مجموعات عديدة، وأنا تفاجأت لقيامه بهذا الأمر بسرعة.
○ كيف تقرأ هذه الخطوة؟
• خطوة ترامب تشي بأن لديه خطة لتجريد «الحزب» من سلاحه وتكلم عنها مارك روبيو (وزير الخارجية)، وهي تقوم على تدريب وحدات خاصة في الجيش اللبناني للقيام بذلك.
○ وهل للجيش اللبناني القدرة على القيام بهكذا خطوة، أم الرهان على أن إسرائيل هي التي ستعاود التدخل؟
• إنهم يعتبرون أن الجيش اللبناني قادر على فعل هذا الأمر، لكن ليس تحت هذه القيادة التي تحتاج إلى تغيير جذري، كي يتفقوا معها على تدريب وحدات خاصة للتدخل وتجريد «الحزب» من سلاحه في مناطق معينة، وعلى كيفية تأمين الغطاء الجويّ لها من قبل الأمريكيين.
○ هل الأمر مقتصر على منطقة الجنوب، أم سيشمل كامل الأراضي اللبنانية؟
• ينطبق على كل لبنان، لأن الجنوب بالنسبة للأمريكيين لم يعد شيئاً أساسياً. هم يريدون أخذ لبنان إلى السلام وإلى الاتفاقات الإبراهيمية، ولا يريدون أن يكون لبنان كل عدة سنوات أرض خصبة لمنظمات خارجة على القانون في الشرق الأوسط، أي أن تأتينا جماعة أخرى بعد عدة سنوات إذا تخلصنا اليوم من «حزب الله».
○ كيف للجيش اللبناني أن يقوم بنزع سلاح «حزب الله» عبر وحدات خاصة أو بمساعدة قوات أطلسية أو متعددة الجنسيات من دون الاشتباك مع طائفة أساسية في المجتمع اللبناني؟
• ربط لبنان بإيران أمر قائم وصحيح، وترامب أكده. في حالة إيران سيكون هناك أمران، إذا توصلوا إلى اتفاق مع الإيرانيين فسيشتمل على إيقاف أي دعم عسكري ومالي لـ«حزب الله»، مع مراقبة مشددة، وإذا لم يتم الاتفاق مع إيران فهذا معناه أننا ذاهبون لإسقاط النظام، أي في الحالتين سيعملون على فصلهما. اليوم نرى نسبة عالية من الشعب الإيراني ضد نظام الملالي، لكن الأمر في لبنان يختلف قليلاً لأن الشيعة كانوا يراهنون منذ 30 أو 40 سنة على أن «الحزب» سينقل لبنان من دولة متعددة الأديان إلى جمهورية إسلامية، ولكن هذا المشروع سقط. ففي اليوم الذي اغتيل فيه حسن نصر الله سقطت هذه الفكرة. واليوم نبيه بري – بعد سقوط فكرة قيام الجمهورية الإسلامية – يحاول الحصول على امتيازات جديدة للطائفة الشيعية عبر السعودية، ومنها كيف يمكن لي إعادة تعديل النظام السياسي في لبنان، وتعديل الطائف. هنا دخلت السعودية على الخط وأرسلت الأمير يزيد بن فرحان (مستشار وزير الخارجية السعودية للشؤون اللبنانية) لطمأنة الجانب اللبناني بأن لا تعديل للطائف. هذا الأمر خيَّب آمال بري الذي أمَّن الحماية السياسية لـ«حزب الله» طوال الـ30 سنة الماضية.
○ وهل زيارة ابن فرحان كانت لطمأنه اللبنانيين بأن تعديل الطائف غير وارد؟
• هذا ما فهمناه. لقد جاء إلى لبنان ليقول إن الطائف هو الدستور، ولكن ذهاب مبعوث نبيه بري إلى السعودية كان هدفه البحث في كيفية تغيير النظام السياسي في لبنان. وحتى لا يكون هو أيضاً من الخاسرين بعدما سيطرت حركة «أمل» و»حزب الله» على الشارع لأخذ مكاسب سياسية، لكن اليوم لم يعد بمقدورهم الحصول عليها. «الحزب» ما زال يراهن على إمكانية صمود النظام الإيراني. من الآن ولغاية أسبوعين أو ثلاثة، إذا سقط النظام سيكون «الثنائي الشيعي» في إشكالية كبيرة، وإذا استمر النظام وطلب من «الحزب» التخلي عن سلاحه فالإشكالية هي نفسها. الأسابيع أو الأشهر أصبحت معدودة.
○ كلامك يشي بإمكانية سقوط نظام الملالي في إيران؟
• طبعاً، وهذا ممكن إذا استمر الأمريكيون بفرض حصارهم البحري على إيران. الحديث اليوم عن أن النظام الإيراني سيتوقف بعد فترة قصيرة عن دفع رواتب موظفي الدولة، وعندها لا نعرف كم سيصمد المجتمع الإيراني من دون رواتب، لكن المؤكد أنهم سيقومون باحتجاجات معادية للنظام.
○ لكن بشار الأسد صمد لسنوات طويلة قبل أن يسقط رغم الاقتتال الداخلي والعقوبات، فكيف للنظام الإيراني أن يسقط وهو الأقوى بمراحل مما كان عليه النظام السوري؟
• صحيح، لكن النظام السوري كان يُهرِّب كل شيء عبر لبنان، لقد نهبوا الدولة اللبنانية. كل شيء كان يُهرَّب إلى سوريا، فضلاً عن عمليات التهريب التي كانت تتم من الأردن وتركيا. الوضع الإيراني مختلف، لأن هناك حصاراً شاملاً وعقوبات تامة. والشعب الإيراني سوف لن يتحمل هذه الكلفة الكبيرة، وفي الوقت نفسه ترامب يحاول تعزيز الحصار، وقد تكون هناك وحدات أمريكية خاصة تعمل في الداخل الإيراني لمساعدة مجموعات إيرانية معارضة، وترامب وضع ثقله لوضع النظام الإيراني أمام خيارين: إما الاستسلام وإعلان حكومة انتقالية، أو يُسقطه، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فكم سيصمد؟ الاعتقاد في أمريكا أن الوضع الاقتصادي سيكون سيئاً جداً خلال الأسابيع المقبلة.
○ وهل تتوقع أن تذهب طهران إلى صفقة مع الإدارة الأمريكية؟
• الاحتمال وارد، ولكن هناك تضعضعاً في القيادة الإيرانية إلى درجة أنك لا تعرفين مَن هو القوي أو الضعيف.
○ قد تكون عملية توزيع أدوار لتمرير الوقت؟
• إذا كانت عملية توزيع أدوار فستنكشف سريعاً. وإذا ذهبوا إلى اتفاق فسيكون اتفاق على الاستسلام. الأمريكيون عندما يريدون إتمام اتفاق بعد استسلام إيران لن يسمحوا للنظام الإيراني بالتحرُّك. كيف؟ لأنه سوف يخضع لمراقبة مشددة من الأمريكيين، وربما تكون هناك قاعدة عسكرية أمريكية داخل إيران تراقب كل تحركاته بالتفاهم مع مَن تبقى من النظام إضافة إلى انتقال السلطة. لا أحد يعتقد أنه إذا أُنجز اتفاق مع إيران فإن الأمريكيين سينسحبون من هناك. وأكبر مثال على ذلك كوريا الجنوبية واليابان، هكذا ستكون وضعية إيران. أنا أعتقد أن الأمريكيين سيعودون لضرب الحرس الثوري الإيراني حتّى يستنزفوه نهائياً. لأنهم لا يريدون إسقط النظام بأكمله، إنما يريدون تشكيل حكومة انتقالية بمن تبقّى من النظام. ترامب لا يريد فوضى داخل إيران، التي قد تصبح شبيهة بالبلقان ويوغسلافيا، ولا يريد للأمور أن تصل إلى هذا الحد، لأجل ذلك نراه ضرب ودمر عسكرياً والآن يضغط اقتصادياً، حتّى يقنعهم بحكومة انتقالية بالشروط الترامبية.
○ هذا مسار طويل، ترامب لديه استحقاق الانتخابات النصفية ومن ثم العد العكسي لولايته، وبالتالي الرهان على إحداث تغييرات جذرية بسرعة كلمح البصر، قد لا يكون رهاناً عقلانياً؟
• صحيح، لذلك لم يمنح ترامب إيران فرصة شراء الوقت إلى هذا الحد، فقام بحصاره مما أدى الى امتلاء خزانات النفط الإيرانية، وبعد أسبوع أو أسبوعين ستُقفل هذه الآبار وبالتالي ستكون هناك عقبات كبيرة أمام إعادة فتحها وتشغيلها لأن تجهيزاتها قديمة العهد.
○ هذه هي الرواية الأمريكية، لكن لإيران قدرة على التعامل مع العقوبات والحصار، ولديها طرق برية وحدود مفتوحة مع العديد من الدول؟
• عمليات التهريب لا يمكن أن تصل إلى نفس مستوى النفط الذي يمكن تصديره بالبحر، كما أن الدول التي لها حدود مشتركة مع إيران ليس بينها دولة صديقة إلا العراق، والأمريكيون يراقبون وهم موجودون هناك، وإذا لاحظوا أي تهريب باتجاه العراق فسوف يوقفونه. هم يفرضون حصاراً على كل الموانئ الإيرانية، وأذربيجان التي تمنح إسرائيل قاعدة عسكرية على أراضيها وتنسِّق معها ليست حليفة لطهران، أما بالنسبة إلى باكستان فالبلوش يتدربون على يد الأمريكيين داخل إيران، وهم يشكلون نسبة كبيرة داخل باكستان، وسوف لن تمر من عندهم عمليات تهريب على نطاق واسع تعطي الزخم للاقتصاد الإيراني. وخلال شهر من الآن إذا رأى ترامب أن العملية الاقتصادية ستطول فقد يعود إلى الضغط العسكري، فكل الاحتمالات بيده وكل البوارج متواجدة هناك. علينا مراقبة البورصة الأمريكية التي تشهد ارتفاعاً كبيراً، وهذا معناه أن الوضع الاقتصادي في أمريكا قوي، وكل القرارات التي يأخذها ضد إيران تساعد الاقتصاد الأمريكي والمواطن الأمريكي لم يعد يشعر بخطورة الحرب… (مقاطعة)
○ هل تعتقد فعلاً أن المواطن الأمريكي لم يعد يشعر بخطورة الحرب؟
• نعم، المواطن الأمريكي يعتبر أي خيار عسكري أو حصار أمراً نجاحاً، ثمَّ أن ترامب ما كان ليذهب إلى إيران لو لم يكن قد نجح في فنزويلا، وسيطر على النفط العالمي تقريباً، فاليوم الشركات الأمريكية هي التي تدير الأمور في فنزويلا وتحقق أرباحاً هائلة، والشركات الأمريكية أيضاً هي المتواجدة في نيجيريا، وآخر شركة روسية «لوك أويل» كانت لا تزال متواجدة في البصرة وتضخ النفط من هناك انسحبت قبل بداية الحرب وأخذت مكانها شركة شيفرون الأمريكية، مع العلم أن البصرة هي الأكثر قرباً إلى السياسة الإيرانية، لكنهم اضطروا إلى إنجاز تسوية مع شركة شيفرون لأن العقوبات طالت «لوك أويل» ولم يعد بإمكانها تصدير النفط وقبض ثمنه، فأجبرت على الإغلاق وهي شركة روسية، مع العلم أن الروس يجنون الأموال حالياً، والكل يستفيد اقتصادياً من الذي يجري في مضيق هرمز باستثناء إيران، والأوروبيون يعانون إلى حد ما لكن ترامب لا يعطيهم اهتماماً.
○ أنت تتكلم عن الأوروبي والإيراني المتضررَين، لكن ماذا عن دول الخليج؟
• الإمارات باستطاعتها تصدير النفط من الجهة الثانية من مضيق هرمز عبر الأنابيب، والسعودية غير متضررة بشكل كبير طالما الحوثي لا يستهدف الحركة في البحر الأحمر. قطر والكويت متضررتين بدون شك، ولكن ليس بشكل كبير.
○ رهانات كثيرة على أن الداخل الأمريكي مُتعب وهناك تضخم وغلاء معيشة وارتفاع بأسعار النفط، هناك إمكانية ألا تكون الانتخابات النصفية لصالح ترامب والحزب الجمهوري، كيف ترى المشهد الداخلي الأمريكي؟
• نحن نقيس الأمور من خلال الوضع الاقتصادي بشكل عام، ونرى أن الأموال التي أدخلها ترامب إلى أمريكا كاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا أو في مجال الطاقة والصناعة بلغت أرقاماً مرتفعة جداً. ومؤشر البورصة يسجل ارتفاعات جيدة، وهذا يجعل المستثمر يشعر بالراحة. نسبة التضخم متدنية، مثلاً أيام بايدن، وهذا مثال بسيط، وصل سعر دزينة البيض إلى 6 دولارات، والآن سعرها بين 3 أو 4 دولارات، وكيلو اللحم وصل إلى 25 دولاراً والآن انخفض إلى نحو 17 دولاراً، والنفط في الرئاسية الأولى لترامب وصل سعر الغالون منه إلى دولارين وأيام بايدن وصل إلى 3.80 دولارات، والآن ارتفع إلى 3.90 دولارات، وهذا الارتفاع لا يسبب أزمة. لو لم يذهب ترامب إلى فنزويلا وسيطر على السوق النفطية ربما كان القلق سيساور المواطن الأمريكي لأن النفط تشتريه الشركات بالعقود الآجلة. كما أن شركات النفط الأمريكية التي كانت قد توقفت عن استخراج النفط بعدما تدنت أسعاره إلى أدنى من 65 دولاراً عادت واستأنفت أعمالها.
أما بالنسبة إلى الانتخابات النصفية فمن المتعارف عليه أن الحزب الذي يتولى الحكم يخسرها. وترامب أمام خيارين، إما أن يركّز على الانتخابات النصفية أو أن يكون أسطورة في التاريخ كما كان أبراهام لنكولن وروزفلت… أسطورة أنه الرجل الذي غيَّر خريطة الشرق الأوسط للسلام بدل الحروب، وأنا أعتقد أنه سيأخذ هذا الخيار بغض النظر عما سيحدث داخل الكونغرس، ومن الجائز أن لا يخسر الكونغرس لأن استطلاعات الرأي تُفيد بأنه قد يربح الانتخابات.
وبعد أن سيطرت أمريكا على نفط فنزويلا وإذا سيطرت على نفط إيران فسوف تتحكم بالصين التي تشتري النفط الإيراني بأسعار متدنية، وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي الذي يحتاج إلى أضعاف ما تحتاجه غوغل من طاقة. هذا أحد أهدافه الأساسية لأنه يجعل أمريكا هي الأقوى وهو ما يريده. الآن بدأت المنافسة الحقيقية، إذ يقوم ترامب في مجال الطاقة بما قام به عندما فرض التوازن التجاري عبر فرض رسوم أو عقوبات دولية.
○ وهل نجح بسياسة فرض الرسوم؟
• نعم، لقد أنجز معاهدات واتفاقات تجارية مع عدد من البلدان الصناعية كالهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية والأرجنتين والبرازيل ومع عدة دول في أوروبا، رغم أن المحاكم الأمريكية أرغمته على التعويض لبعض الشركات الأمريكية المتضررة من سياسته، لكنه حقق أكثر من 60 في المئة من أهدافه، وهذا كاف لإقامة توازن تجاري. ولو نظرتِ إلى السوق العالمية فستجدين أن السوق الأمريكية هي الأقوى وأوروبا هي الأضعف، لأن ترامب وضع لها البنى التحتية اللازمة للاستمرارية والمنافسة الدولية. كما أن إسرائيل من أقوى الأسواق رغم مضي 3 سنوات على دخولها الحرب.
○ بالعودة إلى الشرق الأوسط، هل نحن أمام «شرق أوسط جديد» أم أمام مرحلة من التخبّط قد تستمر لفترة طويلة؟
• لدى ترامب حلم وهو أن يكون الاعتدال الإسلامي هو المسيطر على المنطقة، والاعتدال الإسلامي يعني التوافق بين جميع دول المنطقة بما فيهم إسرائيل. لا يوجد تغيير حدود ولا رسم خطوط جديدة ولا شيء من هذا القبيل. على هذه الشعوب الاعتياد على التعايش بدل التنافس على القتال بشكل دائم كما تريد إيران و»حماس» والإخوان المسلمون. هؤلاء يجب تحجيمهم لأنهم ليسوا خطراً على إسرائيل فقط إنما على العالم بأجمعه، وجاء ترامب اليوم ليقول إنه سيقوم بهذا العمل بالقوة، وعملية «طوفان الأقصى» التي قامت بها حماس فتحت الطريق أمامه.
كثيرون في الشرق الأوسط يقولون إن نتنياهو مجنون ومجرم، ولكن منذ بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، إلى غولدا مائير (وكانت إسرائيل في أيامها الأولى محكومة من الجناح اليساري) كانوا يتصرفون بشراسة أكثر مما يتصرف اليمين اليوم. في النتيجة إسرائيل ستبقى ولن تتغيَّر، وليس عندها مشروع توسعي. المشروع الإسرائيلي التوسعي الذي يتكلم عنه البعض هو عبارة عن بروباغندا إعلامية… (مقاطعة)
○ لكن إذا تابعت مجرى الأمور ترى أن الضفة الغربية تواجه القضم الإسرائيلي كما الإطباق؟
• الضفة الغربية «طارت» ولكن غزة لن «تطير»، الدولة الفلسطينية ستكون في غزة وليس في الضفة الغربية. وهذا لأن العرب رفضوا في العام 1948 القرار الدولي، ولو قبلوا به يومها لما كنا قد وصلنا إلى هنا. ترامب يعرف أنه سيعطي أرضاً فلسطينية للفلسطينيين في غزة أما بالنسبة للفلسطينيين في المناطق الأخرى، وهو لم يعلنها بعد، فسيكونون في إطار نظام فيدرالي ويتمتعون بامتيازات، وصحيح أن هذا يتناقض مع القضية الفلسطينية، ولكن هناك أمل واحد وهو أن تقام دولة فلسطينية في غزة وتتوسع إلى منطقة العريش في سيناء وبالتالي يحصلون على مساحات أكبر بكثير مما كان عندهم من قبل، وإذا أرادوا بإمكانهم بناء دولة عليها.
○ لكنك قلت قبل قليل أن لا تغيير في حدود دول المنطقة، والعريش تخضع للسيادة المصرية؟!
• هذه تتم في إطار اتفاقات لنزع فتيل أي توتر. حتّى سيناء لم تكن تاريخياً تابعة لمصر، بل كانت محط نزاعات. إعطاء العريش لإقامة دولة فلسطينية يشبه ما فعله الإنكليز عندما أعطوا الأهواز لإيران، إذ كانت قبل ذلك إمارة عربية قائمة بحد ذاتها؛ وكذلك لواء إسكندرون الذي كان لسوريا وأُعطي عام 1938 لتركيا وأغلبية سكانه كانت من العلويين والمسيحيين. هذه لا تعتبر إعادة رسم خطوط كبيرة بالمنطقة. في أمريكا أحياناً يغيرون حدود الولاية للحصول على نواب أكثر يتبعون الحزب الديمقراطي أو الجمهوري. القضية الفلسطينية لم تعد كما كانت من قبل بسبب كثرة المشاكل في الشرق الأوسط. في الـ2002 كانت هناك قمة بيروت التي أطلقت «المبادرة العربية: الأرض مقابل السلام»، اليوم المعادلة تغيَّرت وأصبحت «السلام مقابل الأرض»، وهذا تغيير بنسبة 180 درجة.
○ ولكن هذا المشروع قابل للنجاح وللفشل، أليس كذلك؟
• طبعاً، وترامب يقول للدول العربية إذا أردتم محو النظام الإيراني عليكم ألا تعودوا إلى الاستبداد أي عدم العودة إلى معارضة توسيع الاتفاقات الإبراهيمية، وإلا سأترك جزءاً من النظام، وتصبح لي قاعدة عسكرية داخل إيران.

