لم يكن ما كتبه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في مقاله التحليلي في صحيفة "فايننشال تايمز" مجرد عرض اقتصادي تقني، بل أقرب إلى بيان سياسي–مالي يعلن، بشكل غير مباشر، القطيعة مع مرحلة كاملة حكمت السياسة النقدية في لبنان لعقود. غير أن هذه القطيعة، رغم وضوحها النظري، لا تزال معلّقة على سؤال واحد: هل يستطيع لبنان تنفيذ ما عجز عنه منذ 2019؟
ينطلق سعيد من فرضية حاسمة: الأزمة ليست معقدة كما يُروّج، بل هي نتيجة مباشرة لثلاثة عناصر مترابطة، هي غياب الانضباط المالي، سوء الإدارة النقدية، وسوء توظيف مدخرات القطاع الخاص. هذه المقاربة بحد ذاتها تشكّل انقلابًا على الخطاب التقليدي الذي طبع مرحلة رياض سلامة، حيث جرى التعامل مع الأزمة كظاهرة ظرفية يمكن احتواؤها عبر أدوات مالية ونقدية مرحلية، لا كخلل بنيوي متراكم.
في جوهر المقارنة، يظهر الفارق الأول في المنهج. رياض سلامة بنى سياسته على تثبيت الاستقرار النقدي، خصوصًا سعر صرف الليرة، عبر استقطاب التدفقات المالية بأي كلفة، بما في ذلك الهندسات المالية التي تحوّلت لاحقًا إلى أحد أبرز أسباب الانهيار. أما سعيد، فينطلق من نقطة معاكسة تمامًا: لا استقرار من دون الاعتراف بالخسائر، ولا تعافٍ من دون توزيعها بشكل صريح بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية.
هذا التحول يعكس اختلافًا جذريًا في فلسفة إدارة الأزمة. سلامة اعتمد على شراء الوقت، عبر تمديد نموذج قائم على تدفقات خارجية متراجعة، فيما يرفض سعيد أي حلول وسط، معتبرًا أن إبقاء النظام المصرفي بين إعادة الرسملة أو تقليص الحجم لن يؤدي إلا إلى إطالة الركود. هنا، يتحول الخطاب من إدارة الأزمة إلى محاولة معالجتها جذريًا.
في ملف المودعين، يتضح الفارق أكثر. خلال السنوات الأخيرة، تحمّل المودعون، بشكل مباشر أو غير مباشر، الجزء الأكبر من الخسائر، سواء عبر القيود المصرفية أو تعدد أسعار الصرف أو الاقتطاع غير المعلن من الودائع. أما سعيد، فيضع صغار المودعين، الذين يشكّلون نحو 90% من الحسابات، في صلب الأولويات، معتبرًا أن حمايتهم ليست فقط خيارًا اجتماعيًا بل ضرورة اقتصادية.
لكن هذا الطرح، رغم أهميته، يفتح الباب أمام السؤال الأكثر حساسية: من يتحمل الكلفة الفعلية؟ فالمقال يحدّد المبدأ، لكنه لا يقدّم خريطة تنفيذية واضحة لتوزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف، ولا يجيب بشكل تفصيلي عن مصير كبار المودعين، ما يجعله أقرب إلى إعلان توجه منه إلى خطة متكاملة.
في العلاقة مع المصارف، يبدو أن سعيد يسعى إلى كسر معادلة التداخل التي حكمت المرحلة السابقة، حيث تداخلت مصالح الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية بشكل عميق. هذا التداخل هو الذي موّل الدولة وراكم أرباح المصارف، قبل أن ينفجر في وجه المودعين. اليوم، يتحدث سعيد بوضوح عن ضرورة تحميل المصارف جزءًا من الخسائر، وهو ما يصطدم مباشرة بموقف القطاع المصرفي الذي رفض سابقًا أي خطة لا تحمّل الدولة ومصرف لبنان العبء الأكبر.
أما في ملف الشفافية والمحاسبة، فيذهب سعيد أبعد من المقاربة التقليدية، متحدثًا عن دعم دعاوى جنائية ومدنية في الداخل والخارج ضد مسؤولين سابقين وأصحاب مصارف متورطين في عمليات احتيال ممنهجة. هذه الإشارة تحمل دلالة سياسية واضحة، خصوصًا في ظل الملاحقات القضائية التي تطال رياض سلامة على خلفية اتهامات بالاختلاس وتبييض الأموال، والتي لا تزال موضع نزاع قانوني.
على مستوى السياسة النقدية، ينتقل الخطاب من تثبيت مصطنع للعملة إلى استقرار مشروط بالثقة والإصلاح. نموذج سلامة قام على تثبيت طويل لليرة بدعم تدفقات مالية، بينما يطرح سعيد استقرارًا ناتجًا عن إعادة بناء النظام المصرفي والمالي، لا عن تمويله بالدين.
في العلاقة مع صندوق النقد الدولي، يظهر التحول أيضًا بوضوح. فبعد سنوات من التباين حول أرقام الخسائر ومسؤولياتها، يصف سعيد صندوق النقد بأنه المسار الأخير الموثوق لتثبيت الإصلاحات، مع إقرار ضمني بأن لبنان لا يملك هامشًا واسعًا لفرض شروط مضادة، ما يعكس انتقالًا من موقع المناورة إلى موقع التفاوض تحت الضغط.
غير أن العامل الأكثر حساسية في المقال لا يتعلق بالنقد أو المصارف، بل بالأمن. سعيد يقرّ بأن الحرب تمثّل عنصرًا لا يمكن لأي نموذج اقتصادي استيعابه، لأنها تردع الاستثمار وتسرّع هروب الرساميل وتقوّض أي إصلاحات. وهذه النقطة تحديدًا تعيد وضع الأزمة في سياقها اللبناني الحقيقي: لا تعافٍ اقتصاديًا من دون استقرار سياسي وأمني.
في المحصلة، يقدّم كريم سعيد مقاربة تبدو، نظريًا، نقيضًا كاملًا لمرحلة رياض سلامة: من إنكار الخسائر إلى الاعتراف بها، من ترحيل الأزمة إلى محاولة معالجتها، ومن تحميل المودعين الكلفة إلى السعي لتوزيعها. لكن بين النظرية والتطبيق، تقف معضلة أساسية: هل يملك النظام السياسي القدرة على كسر التحالف القديم بين السلطة والمصارف؟
حتى الآن، الإجابة لا تزال مفتوحة. لأن ما فشل فيه لبنان منذ 2019 ليس في تشخيص الأزمة، بل في اتخاذ القرار.
