كشفت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» عن مركبات عضوية لم يسبق لها مثيل، قد تُشكّل أقوى دليل حتى الآن على وجود حياة على الكوكب الأحمر.
وقال تقرير نشرته جريدة «دايلي ميرور» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، إن الروبوت الذي على متن المركبة الأمريكية والذي يعمل بالطاقة النووية عثر على مزيج متنوع من الجزيئات العضوية، بما في ذلك مواد كيميائية تُعتبر على نطاق واسع لبنات بناء الحياة على الأرض.
ويقول العلماء إن هذه النتائج، التي جاءت من تجربة كيميائية أُجريت لأول مرة على كوكب آخر، تُشير إلى أن سطح المريخ قادر على حفظ أنواع من الجزيئات التي يُمكن أن تُشير إلى وجود حياة قديمة.
لكن محاولة الحصول على المزيد من هذه العينات المهمة قد تعثّرت بسبب أزمة تمويل تُعاني منها وكالة الفضاء الأمريكية، والتي يُخطط الرئيس دونالد ترامب لجعلها تتفاقم أكثر مستقبلاً.
وأوضحت البروفيسورة آمي ويليامز، قائدة الدراسة من جامعة فلوريدا، وهي عالمة شاركت في مهمتي «كيوريوسيتي» و«بيرسيفيرانس» على سطح المريخ، أن تحديد علامات الحياة السابقة بشكل قاطع يتطلب إعادة عينات صخرية إلى الأرض. وكانت «ناسا» تخطط سابقاً للقيام بذلك من خلال برنامجها لإعادة عينات من المريخ «MSR»، لكن تم إلغاء هذا البرنامج في كانون الثاني/يناير الماضي.
وأصدر الكونغرس مشروع قانون إنفاق توافقي للسنة المالية الجديدة يدعم مسعى إدارة ترامب لإلغاء البرنامج، مما يُعرّض طموحات علماء الكواكب في وكالة الفضاء للخطر.
ووصفت عالمة الكواكب فيكتوريا هاميلتون، من معهد ساوث ويست للأبحاث ورئيسة فريق تحليل برنامج استكشاف المريخ في ناسا، هذه الخطوة بأنها «مخيبة للآمال للغاية» وستُضعف هيمنة الولايات المتحدة على الفضاء. وقالت: «عندما تصدر مذكرات تُعلن رغبتنا في أن نكون القوة المهيمنة في الفضاء، أتساءل كيف يُمكننا التخلي عن مشروع طموح كهذا؟».
وجاء خفض التمويل في كانون الثاني/يناير في الوقت الذي حاولت فيه إدارة ترامب خفض ميزانية «ناسا»، وهي خطوة رُفضت، لكنها تُعاد الآن، حيث يطلب المسؤولون خفض التمويل بنسبة 23 في المئة.
ورغم أن التجربة الأخيرة لا تستطيع التمييز بين المركبات العضوية التي يُحتمل أنها تعود إلى حياة سابقة على المريخ وتلك التي تشكلت عبر العمليات الجيولوجية أو التي نقلتها النيازك، إلا أنها تُعدّ اكتشافاً رائداً يُظهر مدى أهمية استمرار هذا النوع من البرامج، إذ تُثبت إمكانية «البحث عن أدلة على وجود حياة».
وقال البروفيسور ويليامز، الذي ساهم في تطوير هذه التجربة الكيميائية: «نعتقد أننا نبحث عن مادة عضوية محفوظة على سطح المريخ منذ 3.5 مليار سنة».
وأضاف: «من المفيد جداً وجود دليل على حفظ مادة عضوية قديمة، لأن ذلك يُعدّ وسيلة لتقييم مدى صلاحية بيئة ما للحياة»، وتابع: «إذا أردنا البحث عن أدلة على وجود حياة في صورة كربون عضوي محفوظ، فإن هذا يُثبت إمكانية ذلك».
ومن بين أكثر من عشرين مادة كيميائية تم تحديدها في التجربة، رصدت مركبة كيوريوسيتي جزيئاً يحتوي على النيتروجين، وله بنية مشابهة لسلائف الحمض النووي «DNA»، وهي مادة كيميائية لم يسبق رصدها على سطح المريخ. كما رصدت المركبة أيضاً البنزوثيوفين، وهو مركب كيميائي كبير ذو حلقتين، يحتوي على الكبريت، وغالباً ما يصل إلى الكواكب عن طريق النيازك.
وقال البروفيسور ويليامز: «إن نفس المواد التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».
وبقيادة مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، هبطت مركبة كيوريوسيتي المريخية في فوهة غيل، في قاع بحيرة سابقة، في اب/أغسطس 2012. وأجرت المركبة التجربة في عام 2020 في منطقة غلين توريدون بالفوهة، وهي منطقة غنية بالمعادن الطينية التي تشير إلى أن المنطقة كانت تحتوي في السابق على الماء.
وقال البروفيسور ويليامز إن الطين يتميز بقدرته على الاحتفاظ بالمواد الكيميائية العضوية وحفظها بشكل أفضل من المعادن الأخرى، مما يجعله هدفًا رئيسيًا لاكتشاف هذه المركبات.
وأُجريت التجربة بواسطة مجموعة الأجهزة المعروفة باسم «تحليل العينات على المريخ»، والتي ساهمت في العديد من أهم اكتشافات المهمة المتعلقة بالكيمياء العضوية والغلاف الجوي وقابلية المريخ للحياة. وباستخدام مادة كيميائية تُعرف باسم «TMAH»، قامت التجربة بتفكيك الجزيئات العضوية الكبيرة لتحليلها بواسطة الأجهزة الموجودة على متن المركبة الفضائية «كيوريوسيتي».
ومع وجود كوبين فقط من مادة «TMAH» الكيميائية على متن المركبة «كيوريوسيتي»، تطلّب النجاح تخطيطاً دقيقاً واختيار الموقع الأمثل لأخذ العينات.
وتأتي هذه النتائج الواعدة في وقت تخطط فيه مهمات مستقبلية، بما في ذلك مهمة روزاليند فرانكلين إلى المريخ ورحلة دراغون فلاي إلى قمر تيتان التابع لكوكب زحل، لحمل اختبار «TMAH» على متنها للبحث عن المركبات العضوية، بحسب ما تؤكد جريدة «دايلي ميرور».
وقال البروفيسور ويليامز: «نعلم الآن أن هناك مركبات عضوية معقدة وكبيرة محفوظة في الطبقات السطحية الضحلة للمريخ، وهذا يبشر بالكثير من الآفاق الواعدة.» وأضاف: «الحفاظ على المركبات العضوية المعقدة الكبيرة التي قد تكون مؤشراً على وجود الحياة».
