يحذر معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب من أن الزلزال المتوقع أن يضرب إسرائيل سيكون شديدًا وخطيرًا، خاصة إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة للاستعداد للكارثة، ويتساءل لماذا لا ينظر الإسرائيليون إلى هذا الحدث على أنه تهديد كبير؟
يُظهر مؤشر “الوعي للتهديدات”، الذي نشره “المعهد”، مفارقة مقلقة، إذ يرى 14% فقط من الإسرائيليين أن كارثة طبيعية واسعة النطاق تُعد من بين التهديدات الرئيسة الثلاثة لإسرائيل في السنوات الخمس المقبلة، و5% فقط يرونها التهديد الأخطر. ولكن عندما يُسأل الإسرائيليون عما سيحدث إذا تحقق هذا السيناريو، يقدر 64% منهم أن الأضرار ستكون جسيمة أو جسيمة جدًا، ويعتقد 58% أن استعداد الدولة ضعيف أو ضعيف جدًا.
بمعنى آخر، لا ينكر الجمهور خطورة الكارثة، ولا يثق كثيرًا في الاستعدادات لها، ولكنه مع ذلك لا يعتبرها تهديدًا كبيرًا. ويؤكد “المعهد” أن هذه الفجوة جديرة بالنقاش، لا سيما فيما يتعلق بسيناريو الزلزال القوي، الذي يُعد أخطر كارثة بالنسبة لدولة الاحتلال.
يرى 14% فقط من الإسرائيليين أن كارثة طبيعية واسعة النطاق تُعد من بين التهديدات الرئيسة الثلاثة لإسرائيل في السنوات الخمس المقبلة
وحسب “المعهد”، تناولت الاستطلاعات تصورات الإسرائيليين والخبراء حول سلسلة من سيناريوهات التهديدات الرئيسة لإسرائيل، وهي: الأمنية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية. ومن بين الكوارث الطبيعية واسعة النطاق التي قد تواجهها إسرائيل، يركز “المعهد” على الزلزال القوي الذي يُعد أخطر سيناريو كارثة بالنسبة لإسرائيل.
ونظرًا لموقعها بالقرب من صدع البحر الميت، تشهد البلاد هزات أرضية ضعيفة يوميًا، بينما تتفاوت الهزات القوية بشكل كبير. خلال الألف عام الماضية، من المعروف أن الزلازل قد وقعت في الأعوام 1068، و1202، و1546، و1759، و1837، و1927، و1995. بلغت قوتها أكثر من 6.2 درجة، وتسببت جميعها في أضرار وخسائر بشرية فادحة.
يُعد الزلزال تهديدًا غير مألوف ضمن قائمة التهديدات التي فحصها المعهد الإسرائيلي، فالتهديدات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية تعتمد جميعها على سلسلة من القرارات والأحداث. وينبه “المعهد” إلى أن الزلزال لا يعتمد على نوايا العدو أو الردع أو المعلومات الاستخباراتية أو القرار البشري، إذ سيحدث زلزال قوي عاجلًا أم آجلًا. وكما يقال، إن وقوع زلزال قوي ومدمر في إسرائيل ليس مسألة “هل سيحدث؟”، بل مسألة “متى سيحدث؟”. وعن ذلك يضيف ما يقوله الخبراء عادة: “لا نملك القدرة على منع الزلزال لكن لدينا قدرة كبيرة على الحد من أضراره”.
ملاحظة منهجية هامة
استطلعت الدراسة الإسرائيلية هذه آراء المشاركين حول التهديدات خلال السنوات الخمس المقبلة، ولا توجد حاليًا طريقة علمية لتحديد ما إذا كان زلزال مدمر سيحدث تحديدًا خلال هذه الفترة. لذا، فإن حقيقة أن 25% فقط من الإسرائيليين يقدرون احتمالية وقوع كارثة طبيعية واسعة النطاق خلال السنوات الخمس المقبلة بأنها عالية أو عالية جدًا، لا تشير بالضرورة إلى نقص في الفهم، بل تُظهر مدى إدراك التهديد.
في الملخص المقارن لشهر يوليو، والذي تضمن 16 سيناريو، احتلت الكارثة الطبيعية المرتبة الثالثة عشرة من حيث الاحتمالية المدركة. بعبارة أخرى، يُدفع التهديد الذي من المؤكد حدوثه على المدى البعيد والذي يجب الاستعداد له إلى أسفل قائمة الأولويات، لعدم وجود يقين من تحققه في السنوات القادمة.
قنبلة إيران
يقدر 43% من الإسرائيليين أن احتمالية حصول إيران على أسلحة نووية خلال السنوات الخمس المقبلة عالية أو عالية جدًا، بينما يقدر 61% النسبة نفسها لهجوم صاروخي واسع النطاق. وتقول الدراسة إن هذا ليس تقييمًا مهنيًا يؤكد ترجيح هذه السيناريوهات، بل هو مقياس للتصورات.
مع ذلك، يُظهر هذا التباين، حسب الدراسة، أن الإسرائيليين يولون أهمية أكبر للتهديدات في المجال السياسي والأمني المألوف، والذي يُناقش يوميًا، مقارنة بزلزال غير واضح التوقيت.
يتوقع السيناريو المطروح أكثر من 7000 حالة وفاة، ونحو 8600 إصابة خطيرة، ونحو 37000 إصابة طفيفة، ونحو 29000 مبنى سيدمر أو يُلحق به ضرر بالغ
ويتفاقم هذا التباين عند الانتقال من مسألة الاحتمالية إلى مسألة الضرر، إذ يقدر 64% من الإسرائيليين أن الضرر الناجم عن كارثة طبيعية في حال وقوعها سيكون كبيرًا أو كبيرًا جدًا، ليحتل بذلك المرتبة السادسة من بين 16 سيناريو. أما بين الخبراء، فيكون التباين أكثر وضوحًا، إذ يقدر 73% منهم أن الضرر سيكون كبيرًا أو كبيرًا جدًا، بينما لم يصنف سوى 10% منهم الكارثة الطبيعية ضمن التهديدات الرئيسة الثلاثة. بعبارة أخرى، حتى أولئك الذين يقيمون عواقب الحدث بأنها بالغة الخطورة لا يعتبرونه بالضرورة تهديدًا كبيرًا.
يتوقع السيناريو المطروح أكثر من 7000 حالة وفاة، ونحو 8600 إصابة خطيرة، ونحو 37000 إصابة طفيفة، ونحو 29000 مبنى سيدمر أو يُلحق به ضرر بالغ، ونحو 290000 مبنى سيلحق به ضرر طفيف أو متوسط. مباشرة بعد الزلزال، قد يتم إجلاء نحو نصف مليون شخص، وقد يصبح نحو 170000 شخص بلا مأوى لفترة طويلة.
وترى هذه الدراسة أن الإحصائية التي ينبغي أن تكون مقلقة للغاية هي أن 8% فقط من الإسرائيليين يعتقدون أن استعداد الدولة للكوارث الطبيعية مرتفع، و30% يعتقدون بوجود بعض الاستعداد، و58% يعتقدون أن الاستعداد منخفض أو منخفض جدًا.
وعن ذلك تضيف: “يكمن جوهر المشكلة في هذا التناقض: إذ يقيّم الإسرائيليون احتمالية وقوع الكارثة بأنها منخفضة نسبيًا، والأضرار بأنها كبيرة، والاستعداد بأنه منخفض. من منظور إدارة المخاطر، هذا تحديدًا هو نوع السيناريو الذي لا ينبغي تأجيله حتى تبدو احتمالية وقوعه عالية. في حالة وقوع زلزال، فإن شعور الجمهور بعدم الاستعداد ليس منفصلًا عن الواقع. فقد وجد تقرير صادر عن مراقب الدولة في يناير 2024 أن 3.5% فقط من المباني التي تحتاج إلى تدعيم قد تم تدعيمها بالفعل، وأن حوالي 60% من المستشفيات غير مقاومة للزلازل أو أن مستوى مقاومتها غير معروف. ولم يتم تعزيز سوى 5% تقريبًا من المؤسسات التعليمية البالغ عددها 1600 مؤسسة، والتي كان مطلوبًا منها ذلك، أو هي في طور التعزيز”.
وتلفت الدراسة الإسرائيلية إلى أنه رغم امتلاك “معلومات” جيولوجية ويقين بوقوع زلزال قوي عاجلًا أم آجلًا، فإن إسرائيل لا تبذل سوى القليل جدًا في مجال الاستعداد. وبينما اتخذت خطوات إيجابية، منها إنشاء نظام خاص للإنذار المبكر وعمل الحكومة على خطة إعادة تأهيل طويلة الأجل، فإن الجهود المبذولة لسد الفجوة بين الوضع الراهن ومستوى الاستعداد المطلوب لا تزال ضئيلة.
وتضيف بيانات المسح بُعدًا آخر: فليست الحكومة وحدها من تواجه صعوبة في تحويل المعرفة إلى عمل، بل إن التهديد لا يزال مهمشًا في الوعي العام.
لماذا هذا الوضع؟
توضح الدراسة أنه لا يمكن للمسح وحده إثبات السببية، ولكن يمكن تقديم ثلاثة تفسيرات رئيسة: أولها الفجوة بين الأفق الزمني للتهديد والأفق الزمني للأفراد والحكومات، والحافز السياسي المصاحب له: قد يقع زلزال غدًا صباحًا أو بعد عقود. تكلفة التعزيز والاستعداد فورية، بينما لن تظهر فوائدها إلا في المستقبل المجهول، وربما بعد زوال الحكومة التي استثمرت فيها.
رغم امتلاك “معلومات” جيولوجية ويقين بوقوع زلزال قوي عاجلًا أم آجلًا، فإن إسرائيل لا تبذل سوى القليل جدًا في مجال الاستعداد
أما التفسير الثاني فهو الاهتمام، فالحرب والصواريخ والإرهاب وإيران تشكل تهديدات قائمة: لها خصم، وعناوين رئيسة، ومعلومات استخباراتية، وميزانيات، ونقاشات مستمرة، وإنذارات. لا يرسل الزلزال إنذارًا نهائيًا ولا يصدر تحذيرًا استراتيجيًا قبل أشهر.
خلاصة وتوصية
بحسب الدراسة، التفسير الثالث مؤسساتي: تتوزع مسؤولية التأهب للزلازل بين الوزارات الحكومية، والسلطات المحلية، واللجنة التوجيهية الوزارية المشتركة، وهيئة الطوارئ الوطنية، وقيادة الجبهة الداخلية، وغيرها من الهيئات. عندما لا توجد جهة واحدة ذات مسؤولية وسلطة وميزانية شاملة، يسهل على كل جهة أداء دورها جزئيًا والافتراض بأن المسؤولية الشاملة تقع على عاتق جهة أخرى.
الخلاصة ليست أنه على جموع الإسرائيليين أن تشعر بالخوف، بل أن سياسة الأمن القومي لا يمكن استخلاصها فقط من حجم مخاوف الجمهور أو من الاحتمالية المتوقعة لوقوع حدث ما في السنوات الخمس المقبلة، بل يجب أن توازن إدارة المخاطر المسؤولة بين الاحتمالية، وشدة الضرر، ومستوى الضعف، ومستوى الاستعداد.
في حالة وقوع زلزال، لا يُعد عدم اليقين بشأن التوقيت سببًا للانتظار، بل هو في الواقع سبب للبدء مبكرًا، لأن تقوية المباني والبنية التحتية والأنظمة عملية تستغرق سنوات. وتوصي الدراسة بإنشاء هيئة وطنية واحدة ذات مسؤولية وسلطة وميزانية، ويجب صياغة خطة متعددة السنوات لتقوية المباني العامة والبنية التحتية والمباني السكنية وفقًا لأولويات المخاطر ومستوى الضعف.
