في وقتٍ تتسارع فيه التحولات داخل النظام المالي العالمي، لم يعد تكديس الذهب مجرّد وسيلة للتحوّط من التضخم وتقلبات الأسواق، بل تحوّل إلى أداة استراتيجية تستخدمها الدول الكبرى لتقليص انكشافها على الدولار وحماية احتياطاتها من المخاطر الجيوسياسية. وفي قلب هذا التحول، تبرز الصين بوصفها أحد أكبر المشترين، وسط مؤشرات إلى أن ما تجمعه فعليًا من المعدن الأصفر يفوق بكثير ما تكشفه بياناتها الرسمية.
وفي هذا الإطار، أكد أحد أبرز تجار الذهب، بشير حسون، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن "الصين تواصل شراء الذهب بعيدًا عن الأضواء، فيما قد يكون حجم مشترياتها الفعلية أكبر بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة".
وكشف حسون، أن "التقديرات الصادرة عن غولدمان ساكس تشير إلى أن الصين اشترت، عبر سوق لندن خارج البورصة، نحو 88 طنًا من الذهب خلال شهرين فقط". وأضاف: "وفق هذه التقديرات، بلغت مشترياتها خلال أيار نحو 48 طنًا، مقابل 10 أطنان فقط في البيانات الرسمية، فيما وصلت خلال حزيران إلى نحو 40 طنًا، مقارنةً بـ15 طنًا معلنة رسميًا".
وأشار إلى أن "إجمالي المشتريات الصينية المقدّرة خلال أيار وحزيران بلغ نحو 88 طنًا، بفارق كبير عن الأرقام المنشورة من جانب بنك الشعب الصيني".
ورأى حسون، أن "عدم الإفصاح عن الحجم الكامل للمشتريات قد يندرج ضمن استراتيجية تهدف إلى تجميع كميات كبيرة من الذهب من دون دفع أسعاره إلى الارتفاع"، موضحًا أن "الإعلان عن عمليات شراء ضخمة قد يدفع المستثمرين والأسواق إلى استباق الطلب الصيني، ما يرفع الأسعار ويزيد كلفة الشراء على بكين".
وأضاف، أن "إبقاء جزء من هذه العمليات بعيدًا عن الأنظار يتيح للصين تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد لتنويع احتياطياتها وتقليص اعتمادها على الدولار، من دون كشف كامل تحركاتها أمام الأسواق العالمية".
ولفت إلى، أن "المشتريات لم تقتصر على القنوات غير المعلنة، إذ واصل بنك الشعب الصيني تعزيز احتياطاته رسميًا، مضيفًا 20 طنًا خلال تموز، لترتفع حيازاته المعلنة إلى نحو 2,366 طنًا من الذهب".
وتابع حسون، أن "ذلك يتزامن مع استمرار الصين في تقليص حيازتها من سندات الخزانة الأميركية، ضمن توجه أوسع نحو تنويع الاحتياطيات وخفض الانكشاف على الأصول المقوّمة بالدولار".
وخلص إلى، أن "استمرار البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الصين، في تكديس الذهب يؤكد تحوّل المعدن الأصفر من أداة استثمارية تهدف إلى تحقيق الأرباح، إلى أصل استراتيجي يؤدي دورًا متزايدًا في إعادة تشكيل الاحتياطيات العالمية".
