ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 التي مرت عليها 25 عاما بحربه على اليمن.
وفي تحول بارز تبنى حروب أسلافه التي انتقدها ووصل إلى السلطة بسببها، وخاصة الحرب على الإرهاب التي أعلنها جورج دبليو بوش في مرحلة ما بعد الهجمات، حيث أرسل الجيوش الأمريكية لاحتلال العراق وأفغانستان وواصل سلفه باراك أوباما الحرب وضرب جهاديي القاعدة في اليمن والصومال ومناطق أخرى من أفريقيا.
وكشفت تلك الحرب عن نزعة الانتقام الأمريكية، التي غيرت العالم، بطريقة لم تخطط لها الولايات المتحدة.
ولكن الرئيس ترامب يتمسك بالانتصار الأمريكي في إيران، حتى بعد سيطرة حلفاء إيران في اليمن على ممر مائي حيوي، وهو مضيق باب المندب ما يعرقل نقل النفط وحركة التجارة العالمية ويضر بحلفاء واشنطن بالمنطقة وبخاصة السعودية التي اضطرت لإغلاق خط أنابيب بديل لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز.
ورغم تأكيد ترامب والقيادة السياسية وحتى المعلقين الأمريكيين على أهمية ما حدث بعد 9/11 من وحدة وشجاعة للرد والتعافي إلا أن ترامب ومن سبقه من الرؤساء تجاهلوا الدروس الحقيقية للهجمات.
وأهم هذه الدروس المنسية هي وضع الخطط لما بعد الحرب، وهو ما نسيه الأمريكيون في معظم مغامراتهم العسكرية في القرن العشرين، حيث خاضوا في مستنقع فيتنام ثم العراق وأفغانستان والآن إيران.
وكما كتب بيتر بيرغن في «سي إن إن» (9/9/2026) فقد أسفرت هذه الحروب الكارثية عن تحول أمريكا إلى مزعزع للنظام العالمي التي يؤكد المنظرون الأمريكيون دائما على أنها أسهمت في بناء معماره بمرحلة ما بعد العالمية الثانية. وبالنظر إلى 25 عاما على هجمات 9/11 وإرث «الحرب على الإرهاب» فالصورة قاتمة وبات عالم الشرق الأوسط أنقاضا، حيث بالغت إسرائيل في انتقامها من غزة ودول الجوار القريبة منها، في رد مفرط حظي بمباركة ودعم سياسي وعسكري أمريكي، على هجمات حماس 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومن المفارقة أن إسرائيل وإعلامها حاولوا تقديم الهجمات بأنها نسخة ثانية من هجمات 9/11 ولهذا أفرطوا في القتل وارتكب الجيش الإسرائيلي إبادة في غزة، يعترف بها معظم العالم. وكما فشلت الحرب الأمريكية على الإرهاب، فشل بنيامين نتنياهو في حربه على غزة وتحقيق النصر الشامل، بل وفشل في طموحه إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط. وبخاصة بعد الهجوم على إيران في 2025 وجره الولايات المتحدة إلى حرب مستمرة منذ 28 شباط/فبراير 2026.
كانت هجمات القاعدة وتدميرها برجي التجارة العالمي حدثا زلزاليا غير النظام العالمي بالفعل، والفارق الحقيقي في الحدث الكبير، كما تقول صحيفة «وول ستريت جورنال» (10/9/2026) هي التداعيات اللاحقة، أي رد فعل الولايات المتحدة على الأحداث، وليس الهجوم نفسه. فقد كانت أحداث 11 أيلول/سبتمبر هجوما ناجحا بشكل صادم نفذته مجموعة صغيرة نسبيا، ومع ذلك، شنت الولايات المتحدة ردا عسكريا هائلا تمثل في «الحرب على الإرهاب».
وهاجمت دولتين، إحداهما لم تكن ضالعة في الهجمات. وكان الخطاب شاملا وواسع النطاق لدرجة أن واشنطن استعارت لغة من حقبتي الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، إذ أصبحت أمريكا تواجه «محور الشر». ونظرا لانشغالها التام بالحرب على الإرهاب، تضاءلت قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أولويات عالمية أخرى، مثل الصعود المحوري للصين وروسيا التي تزداد عدائية. وكان هذا الإهمال للقوى العالمية المتغيرة هو ما غير العالم حقا، على حد تعبير الصحيفة.
وأشار المحلل السياسي روبرت كاغان في عام 2008 إلى أن «الصين وروسيا رحبتا» بالحرب على الإرهاب، «لأنها صرفت التركيز الاستراتيجي للولايات المتحدة بعيدا عنهما».
وقد أضاعت «الحرب على الإرهاب» فرصة أمريكا لقيادة العالم، فقبل الهجمات كانت الولايات المتحدة قد خرجت منتصرة من الحرب الباردة وتتمتع بهيمنة دولية، وكان أصداء انتصارها على العراق في حرب الخليج الأولى يتردد بقوة، إذ أثبتت الآلة العسكرية الأمريكية أنها قادرة على سحق التهديدات البعيدة في وقت وجيز وبأقل قدر من الخسائر البشرية الأمريكية.
ويرى العديد من الدبلوماسيين والباحثين أن الولايات المتحدة التي كانت مشغولة بحروبها قد فوتت تلك اللحظة الحاسمة لمواجهة الصين والتعامل مع صعودها. فقد تباطأت في التصدي للممارسات التجارية الصينية باستخدام بنود الحماية في منظمة التجارة العالمية أو فرض عقوبات أخرى. ويجادل هؤلاء بأن الولايات المتحدة كان بإمكانها تشكيل تكتلات تجارية بديلة أو حظر انضمامها للمنظمة.
ورغم إقرار هؤلاء الباحثين بأن الصين كانت ستترك بصمتها الاقتصادية في نهاية المطاف بغض النظر عن أي شيء، إلا أن السؤال الجوهري كان يتمحور حول سرعة هذه العملية ومدى الاضطراب الذي قد يصاحبها. ولم تنجح استراتيجية أوباما بـ«التحول نحو آسيا» التي سعت لبناء تكتل تجاري بديل أُطلق عليه اسم «الشراكة عبر المحيط الهادئ» يستبعد الصين في مرحلته الأولى. والسبب هو ان المزاج الأمريكي كان قد تحول ضد الشراكات التجارية. ومن هنا تبنت كل من إدارة جو بايدن وترامب سياسات فرض رسوم جمركية وقيود على الصادرات، كما أُدرجت شركات صينية في القوائم السوداء. لكن الصين كانت قد تجاوزت بالفعل نقطة التحول الحاسمة، إذ أثبت نموذجها القائم على «رأسمالية الدولة»ومنظومتها التصنيعية الهائلة ورؤيتها الاستثمارية طويلة الأمد، وقدرتها على الالتفاف على القيود الغربية، فاعلية فائقة، مما مكنها من مواصلة النمو.
وتقول «وول ستريت جورنال» إن من عاصروا هجمات 11 أيلول/ سبتمبر شعروا بأن ذلك اليوم قد هز أركان العالم. وبالفعل، كان له أثر عميق، لا سيما من خلال القرارات التي اتخذتها أمريكا في أعقاب الهجمات وكذلك التدخلات التي اختارت عدم القيام بها.
فانهيار الإيمان بقوة العولمة والاضطرابات الاجتماعية والتنافس بين القوى العظمى، كانت تحولات جذرية (تكتونية) جارية أصلا قبل وقوع الهجمات. ولهذا فلم تكن تلك الهجمات وحدها هي التي خلقت هذا النظام العالمي، لكن ذلك اليوم وتداعياته لعبا دورا حاسما ومحوريا، اتسم بالمآسي وسوء التقدير والتبعات الخطيرة.
مليون قتيل
والمأساة في حروب أمريكا بعد الهجمات ونكبات اليوم هي أنها قتلت أكثر من مليون شخص حول العالم، معظمهم من المدنيين.
فقد كان ذلك التعهد الذي أطلقه بوش أمام الكونغرس وبعد الهجمات بوقت قصير بداية لخطايا أمريكا «حربنا على الإرهاب تبدأ بالقاعدة لكنها لن تنتهي هناك» و «ستنتهي حتى يتم العثور على كل جماعة إرهابية حول العالم، ووقفها وهزيمتها»، وصفق له أعضاء الكونغرس بشكل حار.
وامتدت خريطة الحرب التي شنها بوش على الإرهاب أبعد من أفغانستان، مقر القاعدة في حينه. وكما تقول روبن رايت في مجلة «ذي نيويوركر» (11/9/2026) فقد قضت الولايات المتحدة معظم القرن الحادي والعشرين في صراع مع أشكال مختلفة من التطرف، والتي تتزايد الآن. ومع ذلك، فإن الإجماع بين الخبراء الذين كرسوا حياتهم المهنية للتعامل مع تداعيات أحداث 11 أيلول/سبتمبر هو أن «الحرب على الإرهاب» لم تكن قابلة للانتصار قط. ففي حين يتحدث خبراء الإرهاب عن هزيمة القاعدة ومقتل زعيمها أسامة بن لادن عام 2011 وأيمن الظواهري عام 2021 إلا أن الولايات المتحدة لم تنتصر في حرب الأفكار.
ومع أن أربعة رؤساء أمريكيين، ألحقوا وبدعم كبير من حلف الناتو أو القوى المتحالفة معهم، هزائم كبيرة بالمتطرفين، إلا أن الجماعات والتهديدات التي تشكلها لم تختف، بل على العكس تكيفت وهاجرت وتشتتت وتوسعت، وتطورت إلى أشكال مختلفة.
وعلى الرغم من كل الأرواح التي أُزهقت والأموال التي أُنفقت، «لا تزال الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي التي أدت إلى توجه القاعدة المعادي للغرب دون معالجة إلى حد كبير»، كما أوضح ويليام برانيف، المسؤول السابق في وزارة الأمن الداخلي الأمريكية.
ولم تترك الحرب على الإرهاب أثرها على العالم، بل وطالت الأمريكيين الذين وضعت إدارة بوش أعدادا كبيرة منهم في نظام الرقابة. وترى مجلة «إيكونوميست» (10/9/2026) أن الكثير من الأمريكيين لا يتذكرون تلك الأحداث، إذ لم يكن أكثر من 100 مليون أمريكي، أي ما يقارب ثلث السكان، على قيد الحياة وقت وقوعها. ومع ذلك، لا تزال أجهزة مكافحة الإرهاب التي سنها الرئيس بوش والكونغرس استجابة للأحداث تؤثر على حياتهم، إذ أنها تضمنت صلاحيات قانونية مستعجلة لشن الحروب وسلطات مراقبة وعمليات وكالة المخابرات المركزية المتساهلة وبيروقراطيات جديدة – قائمة إلى حد كبير، حتى مع تراجع خطر العنف الجهادي.
وقد يكون تبني ترامب لهذه الصلاحيات مدعاة لنقاش متأخر وضرورة تصحيح التجاوزات. فقد كشف استطلاع رأي جديد أجرته مؤسسة «يوغوف»، أن 48 في المئة من الأمريكيين يؤيدون الحروب الوقائية والمراقبة التي أعقبت أحداث 11 أيلول/سبتمبر. لكن 37 في المئة فقط من الديمقراطيين يوافقون على ذلك، مقارنة بـ 71 في المئة من الجمهوريين. ويتزايد الحديث عن الإصلاح في بعض الأوساط الديمقراطية، مع أن نظام مكافحة الإرهاب الأمريكي أقر في البداية بدعم ساحق من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، وذلك بسبب الخوف من موجة لاحقة من هجمات القاعدة، لكن الموجة المتوقعة من الهجمات اللاحقة لم تحدث. وهذا لم يمنع أمريكا من شن حروب وقائية كلفت في نهاية المطاف 8 تريليونات دولار وربما تسببت في إرهاب أكثر مما منعته.
واستندت «الحرب على الإرهاب» التي شنها الرئيس بوش إلى إجراءات أقرها الكونغرس ولا تزال أدوات فعالة حتى اليوم. فمثلا، قانون تفويض صلاحية استخدام القوة العسكرية، الذي يسمح بشن هجمات على تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به. وقد وسع رؤساء من كلا الحزبين نطاق هذا القانون إلى ما هو أبعد بكثير مما قصده الكونغرس. وفي العام الماضي، استند الرئيس ترامب إلى هذا القانون لضرب أهداف تنظيم الدولة الإسلامية في نيجيريا، بعد اتهام البلاد بالتقصير في حماية المسيحيين. كما سمحت برامج المراقبة، مثل المادة 702، لأجهزة الاستخبارات بالتجسس على المشتبه بهم الأجانب في الخارج دون إذن قضائي، ما أدى إلى رصد اتصالات الأمريكيين على نطاق واسع. ومنذ عودته إلى منصبه، أعاد ترامب توظيف هذه الأدوات بطريقة انتهازية. فقد وسع الرئيس تعريف الإرهاب بشكل كبير. وصنّفت إدارته مجموعة من عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية كمنظمات إرهابية أجنبية. وأسفرت حملته الجوية ضد قوارب تهريب المخدرات المشتبه بها في منطقة البحر الكاريبي والمحيط الهادئ عن مقتل ما لا يقل عن 277 شخصا حتى الآن. ووصف وزير الدفاع، بيت هيغسيث، إرهابيي المخدرات قبل فترة بأنهم «تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في نصف الكرة الغربي». كما استخدمت الإدارة أدوات ما بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر لتعزيز أجندتها الداخلية وأصبحت وزارة الأمن الداخلي المحرك الرئيسي لحملة الترحيل التي يشنها ترامب، حيث أعيد تعيين آلاف من عناصرها، بعضهم كان يعمل في مكافحة الإرهاب، في مجال إنفاذ قوانين الهجرة. وأمر توجيه رئاسي في أيلول/سبتمبر 2025 فرق مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي آي» بتعقب الحركات اليسارية غير المنظمة، مثل حركة «أنتيفا» (أي ضد الفاشية)، التي صنفت الإدارة الأمريكية أعضاءها بكونهم «إرهابيين محليين». ووسعت وزارة الخارجية الأمريكية التصنيف ليشمل فروع «أنتيفا» في الخارج كمنظمات إرهابية أجنبية وحثت الحلفاء على أن يحذوا حذوها.
وتستخدم الإدارة الأمريكية أيضا أدوات مالية قوية لمكافحة الإرهاب. ففي مينيابوليس، على سبيل المثال، استخدم عملاء فيدراليون الصلاحيات الممنوحة بموجب «قانون الوطنية» لعام 2001 لمصادرة سجلات مالية من نقابات عمالية وجماعات تقدمية دون أوامر قضائية. وفي تكساس، أُدين ثمانية متظاهرين مناهضين لإدارة الهجرة والجمارك في حزيران/يونيو بتهم ملفقة تتعلق بـ«تقديم دعم مادي» للإرهابيين، وهو قانون مصمم خصيصا لممولي تنظيم القاعدة تنظيم الدولة.
ولعل أهم ما تركته «الحرب الدولية على الإرهاب» أنها أعطت القوى الأخرى، إسرائيل بخاصة، فرصة لممارسة عدوانيتها بدون خوف من المساءلة والعقاب. وفي هذا السياق، تساءلت الروائية أهداف سويف في مقال بصحيفة «الغارديان» (11/9/2026) إن كان الرعب الذي تكشف أمامنا غزة في السنوات الماضية وبدعم من القوى العظمى هو خريطة لما سيحدث في أماكن أخرى. وقالت إن مؤيدي فلسطين شعروا في 2017 أن هناك تغيرا في المواقف، فلم تعد مقالاتهم تثير رسائل الكراهية التي اعتدنا عليها ونادرا ما كانت تتعرض الفعاليات الداعمة للحقوق الفلسطينية للتشويش. وبدا أن الناس يفقدون ثقتهم تدريجيا بالصورة التي روجت لها إسرائيل ومؤيدوها طويلا بأنها حاملة «القيم الغربية» في الشرق الأوسط، وموطنا لـ«الجيش الأكثر أخلاقية في العالم» ودولة لا تتصرف إلا دفاعا عن النفس، بينما كانت تشن هجمات منتظمة على غزة وتواصل توسيع مستوطناتها غير الشرعية في الضفة الغربية.
وما بدا وكأنه انتصار للحجة الأخلاقية والعقلانية، قابله تسارع في وتيرة الاحتلال وتزايد في وتيرة ووحشية هجمات المستوطنين في الضفة الغربية وهجمات الجيش الإسرائيلي على غزة.
وكانت السنوات الثلاث الماضية امتدادا منطقيا لهذا الوضع. ففي أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023، صعدت إسرائيل من عمليات القتل والتشويه والتهجير القسري للفلسطينيين إلى مستوى الإبادة الجماعية الموثقة. ويتحدث وزير الدفاع، يسرائيل كاتس صراحة، بأنه ملتزم بالتطهير العرقي لغزة، بينما يتباهى أحد مستوطني الضفة الغربية أمام هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بأن حياة يهودي واحد تساوي عشرة ملايين حياة فلسطينية. وتكتظ وسائل التواصل الاجتماعي بإسرائيليين، من محللين في برامج الأخبار التلفزيونية إلى جنود الجيش الإسرائيلي يصرحون ويرتكبون الفظائع اللازمة لتحقيق هدف فلسطين خالية من الفلسطينيين.
وتضيف سويف أن الناس حول العالم يدركون حقيقة ما يجري في فلسطين ويرفضونها رفضا قاطعا ومتكررا، لكن العديد من الديمقراطيات في الغرب، تستمر بإرسال الأسلحة وتزويد إسرائيل بالمعلومات الاستخباراتية، حتى في زمن الإبادة الجماعية. ولقمع الاحتجاجات المستمرة لمئات الآلاف من مواطنيها، تعرض الديمقراطيات الغربية أنظمتها القضائية للخطر وتهاجم مؤسساتها التعليمية وتقوض حرياتها الديمقراطية.
وبينما تبث الإبادة الجماعية الإسرائيلية مباشرة، يراقب النظام الاستعماري ويمَكِن ويحمي ويساعد في إخفاء آثارها.
وقالت سويف إن هذه الحرب لا تقتصر على الفلسطينيين والإسرائيليين فحسب، بل تتعداها إلى أيديولوجيات التفوق والهيمنة التي تهدد شعوب العالم ومجتمعاته المدنية وما تبقى من منظماته الدولية. في الوقت الراهن، يقف الفلسطينيون في الصفوف الأمامية، يقتلون ويشوهون ويعذبون ويهجرون. لكن الفلسطينيين أيضا يقفون بيننا جميعا وبين عالم يعاد تشكيله على صورة إسرائيل.
مزاعم انتصار وخسائر جديدة
قد يزعم ترامب أنه انتصر في حربه على إيران كما زعم بوش قبل ذلك انتصاره في العراق، إلا أن حروب أمريكا العبثية أثبتت أنك تستطيع تكبيد عدوك خسائر فادحة بدون أن تقضي على الأسباب التي تدفعه للصمود أمامك.
وكما كتب روبرت وورث في مجلة «ذي أتلانتك» (11/9/2026) فسيطرة الحوثيين على باب المندب وجزرا حوله تؤكدا حقيقة راسخة: فبالرغم من كل النكسات التي مني بها «محور المقاومة» الإيراني خلال العام أو العامين الماضيين، إلا أن قواته لا تزال تتمتع بحماس أيديولوجي وروح معنوية عالية تفتقر إليها القوات في الجانب الآخر. وكان فشل دول الخليج في التعاون ضد الحوثيين كارثيا، وهو ما يذكر بفشل ترامب نفسه في وضع استراتيجية فعالة أو منسقة ضد إيران. وعلى الرغم من أن الحوثيين كانوا يمتلكون القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، فإن السيطرة على باب المندب «تعني حرفيا إمكانية الجلوس على الساحل وإطلاق النار على السفن العابرة»، كما قالت أبريل لونغلي آلي، الخبيرة في الشأن اليمني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والمستشارة السياسية السابقة للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن. وأضافت: «هذا يسهل الأمر ويقلل تكلفته ويرسخ، من وجهة نظر عسكرية وسياسية، سيطرتهم المحكمة على المضيق».
وقد لا تتمكن الولايات المتحدة من فعل الكثير حيال هذا الأمر، حتى لو شن البنتاغون جولة جديدة من الغارات الجوية على الحوثيين. فلن تجدي القنابل والصواريخ نفعا بدون وجود قوة برية قادرة على استغلالها، وحلفاء أمريكا في اليمن منهكون ومشتتون. فقد شنت إدارة ترامب حربا استمرت سبعة أسابيع ضد الجماعة العام الماضي، ورغم نجاحها في قتل عدد من قادة الحوثيين، إلا أنها لم تطح بالجماعة أو تغير من قدرتها على شن الحرب، كما وعد ترامب.
ويعد تقدم الحوثيين نبأً أسوأ بالنسبة للسعودية. فقد كافح السعوديون لسنوات طويلة لكبح جماح تهديد الحوثيين على حدودهم. والآن، ورث الحوثيون كميات كبيرة من الإمدادات السعودية والإماراتية التي خلفتها القوات اليمنية الرسمية المنسحبة. ومع هذا الزخم لصالحهم، يمكن للحوثيين الآن السيطرة على المزيد من الأراضي في مناطق أخرى من اليمن، بما في ذلك محافظة مأرب، حيث يقع جزء كبير من نفط اليمن. كما يمكنهم توسيع نفوذهم سلميا، من خلال عقد صفقات مع زعماء القبائل والمناطق في الجنوب والشرق. كل هذا من شأنه أن يعزز سلطتهم ويقوي دعمهم لإيران.
