صنعاء – «القدس العربي»: أعلنت «قوات المقاومة الوطنية، الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في بيان، الأحد، تفاصيل التطورات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي جنوب غربي البلاد، بالتزامن مع تجدد الهجمات والمعارك في تعز وعلى مقربة من محافظة لحج الجنوبية، وفي محافظة مأرب شمال شرقي البلاد، علاوة على الإعلان عن غارات جديدة عابرة للحدود.
كما استأنفت الأمم المتحدة محادثاتها مع جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، وذلك من خلال لقاء جمع، عبر الاتصال المرئي، المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، ونائب وزير الخارجية في حكومة الجماعة، عبد الواحد أبو رأس، ودعوة الجماعة للجميع للعودة إلى صنعاء «شركاء ومواطنين صالحين».
مقتل 500 عنصر تابعين لمجلس القيادة الرئاسي
وعلى الأرض، انعكس هذا التصعيد السياسي والدبلوماسي على مختلف الجبهات المشتعلة، حيث شهدت محاور القتال مواجهات ضارية وتطورات ميدانية متسارعة امتدت من الساحل الغربي مرورًا بتعز ومأرب وصولًا إلى العمق الإقليمي.
وأعلنت «قوات المقاومة الوطنية» التابعة لعضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، أن المعارك التي خاضتها ضد الحوثيين، خلال الفترة من 9 أغسطس/آب وحتى 10 سبتمبر/أيلول، على امتداد جبهات الساحل الغربي، أسفرت عن مقتل أكثر من 500 وإصابة نحو 1500 آخرين، مقابل ما قالت إنهم أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى في صفوف الحوثيين.
وأوضحت أن الهجوم عليهم بدأ بقصف صاروخي وهجمات بالطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، قبل أن يتسع عبر محاور حيس والكدحة ومقبنة والبرح، مشيرة إلى أن قيادة المقاومة الوطنية قررت إعادة تمركز قواتها في خطوط دفاعية جديدة للحفاظ على القوات وإفشال مخطط تطويقها، مؤكدة استمرارها ضمن القوات الحكومية، معتبرة «أن خسارة معركة لا تعني نهاية المواجهة».
وفي سياق العمليات الميدانية الموثقة، ففي جبهة تعز، قالت القوات الحكومية إن الطيران الحربي استهدف بثلاث غاراتِ جوية مواقع وثكنات قالت إنها للحوثيين، في التبة السوداء، وفي جبل المنعم بجبهة الضباب. فيما قالت قناة «الجمهورية» الفضائية التابعة لقوات المقاومة الوطنية، إن ثلاث غارات جوية استهدفت، وفق الرواية الرسمية، تجمعات للحوثيين في منطقة الربيعي غربي تعز.
الحوثيون أعلنوا قصف قاعدة عسكرية سعودية
وقال المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري إن الطيران الحربي دمر منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية منسوبة للحوثيين في منطقة الستين شمال مدينة تعز، كما استهدف عشرات القاطرات المحمّلة بالأسلحة والذخائر والصواريخ والعتاد في شارع الستين شمال تعز، كانت متجهة من المخا إلى صنعاء.
كما ذكرت صحيفة «عدن الغد» أن الحوثيين شنوا هجومًا على مواقع في منطقة الأحراز بأطراف مديرية الوازعية ومحيط مديرية الشمايتين، مضيفة أن الحوثيين حشدوا في مديرية خدير، قبل الدفع بجزء من تلك التعزيزات باتجاه منطقة الأقروض في مديرية المسراخ، فيما تحركت تعزيزات أخرى صوب مديرية الصلو بريف تعز.
فيما قالت «قوات ألوية العمالقة» الموالية للحكومة، إنها دمرت طقمًا نسبته للحوثيين في جبهة الوازعية على حدود مديرية المضاربة بمحافظة لحج. وأوضحت، في بيان، أنها تخوض اشتباكات مع الحوثيين على حدود مديرية المضاربة، وترد على مصادر النيران بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
في السياق ذاته، قال المتحدث العسكري للقوات الحكومية، العقيد ماجد النزيلي، إن القوات الجوية استهدفت عناصر وآليات للحوثيين في منطقتي المخا وذوباب.
أما في محافظة مأرب، فقال المركز الإعلامي للقوات الحكومية إن مدفعية المنطقة العسكرية السابعة استهدفت ثكنات للحوثيين غربي مأرب. فيما استهدف سلاح الطيران المسيّر، وفق المصدر الرسمي، تجمعات وآليات وثكنات وعناصر للحوثيين جنوبي مأرب. وفي جنوب مأرب أيضًا، قالت القوات الحكومية إن مدفعية المنطقة العسكرية الثالثة استهدفت عربة (بي إم بي) قالت إنها تابعة للحوثيين.
وفي محافظة البيضاء، قالت القوات الحكومية إن الطيران الحربي استهدف بأكثر من 20 غارة جوية ما قالت إنها مواقع وتجمعات وآليات ومنصات إطلاق صواريخ ومنظومة اتصالات تابعة للحوثيين في مديريات الزاهر وذي ناعم والسوادية ومكيراس.
وإزاء ذلك، لم يصدر عن جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) تعليق فوري بنفي أو تأكيد هذه الأنباء.
وفي مسار متصل يتجاوز الجغرافيا المحلية نحو العمق الإقليمي، أعلنت جماعة «أنصار الله» عن استهداف مخازن أسلحة وغرف القيادة والسيطرة في منطقة شرورة السعودية.
وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، في بيان، إن قواتهم «نفذت عملية عسكرية نوعية استهدفت من خلالها مخازن الأسلحة وغرف القيادة والسيطرة التي تدير العدوان على بلدنا وشعبنا في القاعدة العسكرية بمنطقة شرورة السعودية»، موضحًا أن ذلك يأتي «رداً على استمرار العدو السعودي في عدوانه على بلدنا»، مؤكدًا «أن استمرار العدوان السعودي على شعبنا سيقابل بعمليات أشد وأكبر فى عمق أراضيه وستكون عواقبها عليه وخيمة».
وفي المقابل، أعلن الدفاع المدني السعودي على حسابه في منصة «إكس» عن «سقوط مقذوف في محافظة الطوال بمنطقة جازان نتج عنه إصابتان وأضرار مادية في مسجد وعدد من المباني والمركبات».
وكانت الجماعة قد أعلنت أن «طيران العدو السعودي شن خلال الـ48 ساعة الماضية 129 غارة جوية توزعت على محافظات تعز ومأرب والحديدة والجوف وصعدة وعمران وحجة».
وتحوّل اليمن إلى جبهة إضافية ضمن المواجهات الإقليمية؛ عقب اتهام الحوثيين للسعودية بقصف مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، وما تلاه من إعلان الجماعة فرض حصار بحري على المملكة في البحر الأحمر واستهداف ناقلات نفط تابعة لها، ردًا على ما تصفه بـ»استمرار الحصار الظالم على اليمن»، وهي المواجهة التي تطورت إلى اتهام الجماعة للسعودية باستهداف مركز احتجاز في مدينة الحزم بمحافظة الجوف، وما أعقبه من قصف في العمق السعودي، وهو ما نجم عنه استئناف القصف السعودي في عمق مناطق سيطرة «أنصار الله».
تفاقم الوضع الإنساني
وفي ظل هذه التحولات الميدانية المحتدمة على الأرض، ألقت العمليات القتالية المتصاعدة بظلالها الكارثية على المشهد الإنساني، مخلّفة موجات نزوح واسعة وأوضاعًا بالغة القسوة في عدد من المحافظات، إذ يستمر النزوح، وفي المقابل تتصاعد أرقام النازحين، في ظل نقص في التمويل الأممي، ومحدودية العمل الإغاثي، وهو ما يفاقم من الأزمة الإنسانية الناجمة عن الأعمال القتالية، والتي تتجاوز في الوقت الراهن 77 ألف نازح.
وفي هذا السياق، أعربت الأمم المتحدة عن بالغ القلق إزاء ما اعتبرته «استيلاء سلطات الأمر الواقع الحوثية على مبنى رئيسي مشترك للمنظمات الإنسانية وممتلكاته في المخا». وقال المتحدث الأممي إن المبنى كان مخصصًا لتقديم المساعدات الإنسانية للمجتمعات المحلية الأكثر احتياجًا؛ لافتًا إلى نزوح 18 ألف أسرة من بداية الشهر، متجهين إلى محافظات تعز وعدن ولحج وأبين. وقال: «نعمل مع شركائنا لتوفير الاحتياجات الملحة»، مضيفًا أن العملية تواجه قيودًا مفروضة على الوصول ونقصًا في التمويل. وجدد الدعوة لجميع الأطراف لحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتيسير الوصول إلى المساعدات دون عوائق.
فيما أعلن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (أوتشا)، الأحد، عن نزوح حوالي 11,442 أسرة حديثاً في جميع أنحاء البلاد منذ تصاعد الأعمال العدائية في 3 سبتمبر/ أيلول، موضحًا أن 10,310 أسر في 15 مديرية ضمن نطاق مركز عمليات تعز، موزعة بين 8,628 في تعز و1,682 في جنوب الحديدة، و1,037 أسرة في نطاق مركز عمليات عدن (لحج 462، عدن 299، أبين 180، والضالع 96)، و95 أسرة في البيضاء ومأرب وصنعاء. وقال «أوتشا» إن هذه الأرقام أولية، وقد تتضمن بعض حالات الازدواج في الحساب، مشيرًا إلى استمرار المعارك على طول خطوط المواجهة الغربية في تعز ممثلة في مديريات مقبنة وجبل حبشي وموزع، وفي جنوب الحديدة، بينما وردت تقارير عن غارات جوية وأنشطة عسكرية على محور مأرب-الجوف وفي محافظة البيضاء.
ورجح أن يؤدي استمرار المعارك وتغيّر خطوط المواجهة إلى مزيد من النزوح والتحركات الثانوية للسكان، مشيرًا إلى أن العديد من مواقع النازحين القائمة حالياً تعاني من تكدس يفوق طاقتها الاستيعابية، لافتًا إلى امتداد حركة النزوح جنوباً نحو محور عدن، إذ وردت تقارير عن وصول أكثر من 1,000 أسرة إلى محافظات لحج وعدن وأبين والضالع.
وفيما يتعلق بالضحايا المدنيين خلال الفترة ما بين 1 و9 سبتمبر، أضاف البيان أن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) تحققت من وقوع 14 إصابة في صفوف المدنيين (بين قتيل وجريح) جراء ثمانية حوادث في محافظتي تعز والحديدة، وشملت الحصيلة مقتل طفلين، كما كان من بين المصابين نساء وأطفال.
فيما حذرت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في اليمن من تفاقم الأوضاع الإنسانية، مطالبة المنظمات الإغاثية بالتدخل السريع وإغاثة 11,096 أسرة نازحة تضم 77,789 فرداً، اضطرت للنزوح قسراً جراء التصعيد العسكري والقتال المستمر حتى 11 سبتمبر 2026م. وأكدت الوحدة أن الأسر النازحة تعيش أوضاعًا بالغة القسوة وتفتقر لأدنى مقومات الحياة، متصدرةً احتياجاتها في المأوى الطارئ، الغذاء، المياه الصالحة للشرب، والخدمات الصحية.
على الصعيد الإنساني أيضًا، أعلن وزير الاقتصاد الجيبوتي، إلياس موسى دوالية، في تدوينة على منصة «إكس»، السبت، أن نحو 1400 لاجئ وصلوا من اليمن إلى جيبوتي خلال 24 ساعة.
الملاحة في باب المندب
وإلى جانب التعقيدات الميدانية والإنسانية، ألقت الأزمة بظلالها على خطوط التجارة الدولية؛ لتتجه الأنظار نحو حركة الملاحة في باب المندب وسط تطورات متسارعة تترقب تأمين الممرات البحرية.
وأعلنت وزارة النقل والأشغال العامة في حكومة «أنصار الله»، «أن حركة الملاحة البحرية للسفن الدولية في مضيق باب المندب تسير بحرية وأمان وانسيابية تامة، باستثناء السفن السعودية المفروض عليها الحظر».
وذكرت، في بيان السبت، أن عدد السفن الدولية التي مرت عبر مضيق باب المندب خلال الـ 48 ساعة الماضية بلغ 73 سفينة دولية مختلفة، من حاويات البضائع، والتجارية وغيرها، مشيرة إلى أن 36 سفينة عبرت المضيق يوم 10 سبتمبر/أيلول، و37 سفينة في 11 سبتمبر، مبينة أن ذلك يعادل 98.6 بالمائة من متوسط العبور اليومي المسجل قبل فرض الحظر.
وبهذه الحزمة من التطورات الميدانية والإنسانية والملاحية، يجد اليمن نفسه على حافة منعطف بالغ الخطورة، ما ينذر بدخول الصراع مرحلة أكثر اتساعًا وعنقًا بعد سنوات من الهدوء النسبي.
