بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

موريتانيا: الدعوات ترتفع لتمكين الغزواني من الاستمرار في الحكم لفترة ثالثة

موريتانيا: الدعوات ترتفع لتمكين الغزواني من الاستمرار في الحكم لفترة ثالثة

نواكشوط – «القدس العربي»: فيما لم تُحسم بعد ملامح الاستحقاق الرئاسي المقبل، بدأت الساحة السياسية الموريتانية تشهد تصاعداً لافتاً في الدعوات المطالبة بتمكين الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من الاستمرار في الحكم لولاية ثالثة، وسط تأكيد أنصاره أن المرحلة الراهنة وما يحيط بالبلاد من تحديات تجعل بقاءه «ضرورة» لضمان الاستقرار واستكمال المشاريع الكبرى.

وفي المقابل، تبدو المعارضة أمام اختبار سياسي معقد؛ إذ تتعامل مع هذه الدعوات بين التحذير من المساس بمبدأ التداول على السلطة، والحيرة بشأن كيفية مواجهة سيناريو لم يتحول، حتى الآن، إلى مبادرة دستورية أو إعلان سياسي رسمي من الرئيس نفسه.

وقبل نحو ثلاث سنوات من موعد الانتخابات الرئاسية الموريتانية المقررة في 2029، بدأت قضية خلافة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تتحول تدريجياً من سؤال مؤجل إلى مادة يومية في النقاش السياسي، بعدما تصاعدت دعوات تطالبه بالبقاء في السلطة لولاية ثالثة، بالتوازي مع تحركات سياسية وشعبية تقول إنها تسعى إلى تعديل الدستور وفتح الطريق أمام استمرار الرئيس الحالي.

الجمهورية الثالثة

وفي أحدث فصول هذا الجدل، دعا النائب البرلماني الشيخ ولد أمين، القيادي في حزب التحالف الوطني الديمقراطي، المنضم للموالاة، إلى استثمار الحوار السياسي المرتقب في إعداد دستور جديد يؤسس لما سماه «الجمهورية الثالثة»، معتبراً أن البلاد أمام فرصة لإعادة صياغة الإطار الدستوري بعد دستوري 1961 و1991.

وقال ولد أمين، في مقابلة تلفزيونية، إن الحوار يمثل «فرصة تاريخية» أمام مختلف القوى السياسية لعرض تصوراتها بشأن مستقبل البلاد، نافياً في الوقت ذاته أن تكون الدعوات المطالبة بولاية ثالثة للرئيس غزواني حملة منظمة.

ووصف تلك الدعوات بأنها «حراك شعبي» نابع، بحسب تقديره، من تقييم المشاركين فيه لحصيلة السنوات الأخيرة، مدعياً أن هذا الحراك يحظى بدعم ثلثي أعضاء البرلمان وغالبية البلديات وجزء من المجالس الجهوية.

ويأتي هذا الطرح في وقت كان الرئيس غزواني قد أكد، خلال لقاء مع المعارضة في مارس/آذار الماضي، أنه لا يريد ولاية ثالثة ولم يأمر أحداً بطرحها، لكنه رفض في المقابل التدخل لحذفها أو إدراجها ضمن مواضيع الحوار، معتبراً أن الحوار يفترض إتاحة النقاش حول القضايا الخلافية.

وكان الجدل حول المأموريات قد أصبح بالفعل إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية خلال التحضير للحوار، قبل أن توقع القوى السياسية في يوليو/تموز الماضي الوثيقة المرجعية للحوار الوطني.

حراك شعبي أم إعادة ترتيب مبكر للمشهد؟

وبينما يقدم مؤيدو الولاية الثالثة تحركهم باعتباره تعبيراً عن رغبة شعبية في استمرار ما يعتبرونه مساراً ناجحاً، يرى منتقدون أن توقيت الحملة يطرح أسئلة تتجاوز مسألة استمرار الرئيس نفسه إلى الصراع المبكر على خلافته.

ويذهب العمدة محمد سالم ولد بمبه، إلى أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن الدعوة إلى ولاية ثالثة «ليست مقصودة لذاتها»، وإنما قد تكون، في تقديره، لعبة سياسية لتحقيق أهداف أخرى.

أنصاره يؤكدون حاجة البلد له ومعارضوه في حيرة من الأمر

ويضع ولد بمبه في مقدمة هذه الأهداف «مشاغلة الرأي العام» عن الأسئلة المرتبطة بصعوبات الحياة اليومية، إضافة إلى مواجهة طموحات بعض الوزراء الذين قد يكونون بدأوا مبكراً في ترتيب حساباتهم لخلافة الرئيس في انتخابات 2029.

ويرى أن الحملة يمكن أن تؤدي كذلك إلى خلق صدمة سياسية وشعبية، بحيث يصبح رفض الرئيس للمبادرة وإعلانه عدم الموافقة عليها «إنجازاً يحسب له»، وربما مدخلاً لقبول شخصية سياسية يجري الدفع بها لاحقاً لخلافته.

كما لا يستبعد أن يكون بعض المسؤولين المتحمسين للحملة يسعون، من خلال رفع سقف المطالب، إلى تسريع إعلان الرئيس موقفه النهائي من مرحلة ما بعد 2029، بما يسمح لهم بإعادة ترتيب أوراقهم السياسية في الوقت المناسب.

وتعكس هذه القراءة جانباً آخر من الجدل، يتمثل في أن الحديث عن ولاية ثالثة قد لا يكون متعلقاً بالرئيس وحده، بل بموازين القوى داخل معسكر الأغلبية الرئاسية نفسه، وبالسباق غير المعلن على تحديد خليفة محتمل للرئيس.

جميل منصور: الدعم يتحول إلى إساءة

وفي الاتجاه المقابل، اختار رئيس جبهة المواطنة والعدالة «جمع»، محمد جميل ولد منصور، وهو في صف الموالاة، توجيه انتقاد صريح للدعوات المطالبة بولاية ثالثة، رغم إشادته بأداء الرئيس غزواني. وقال ولد منصور إن الرئيس «أنجز كثيراً لهذه البلاد وأهلها»، وأعاد لموريتانيا مكانة إقليمية ودولية، كما تميز عهده، وفق تقييمه، بأداء اجتماعي واسع ونظرة تقوم على المواطنة والمساواة.

لكنه شدد على أن الدعوة إلى ولاية ثالثة «لا يسمح بها الدستور ولا يصح في شأنها تعديل»، معتبراً أنها تمثل إساءة للرئيس نفسه، وتكراراً لما «مجه الموريتانيون»، فضلاً عن كونها تعريضاً لمكسب ديمقراطي مؤكد.

ودعا ولد منصور من يريد دعم النظام ومصلحة البلاد إلى التركيز على تنفيذ البرامج الإصلاحية والمشاريع التنموية والخطط الاستعجالية، بدلاً من الانشغال بانتخابات 2029، مؤكداً أنه لا يزال يرى أن الحديث عنها سابق لأوانه.

وجاء موقف ولد منصور بعد انتقادات سابقة وجهها في أغسطس/آب الماضي إلى الدعوات نفسها، واصفاً إثارة الانتخابات الرئاسية المقبلة في هذا التوقيت بأنها «تشويش وإثارة»، ومحذراً من تكرار تجارب المبادرات السياسية التي ظهرت في نهاية عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز.

الدستور في قلب المعركة

ويبدو أن دخول فكرة «الجمهورية الثالثة» على خط النقاش يرفع سقف القضية من مجرد حملة سياسية مؤيدة للرئيس إلى نقاش دستوري أوسع. فالداعون إلى إعادة صياغة الدستور يقدمون المسألة باعتبارها فرصة لإعادة تأسيس النظام السياسي وتحديث قواعده، بينما يرى المعارضون أن فتح الباب أمام تعديل المواد المتعلقة بالمأموريات قد يحول الحوار السياسي من مساحة للتوافق الوطني إلى أداة لإعادة تشكيل قواعد التداول على السلطة.

ويكتسب هذا السجال حساسية خاصة بالنظر إلى أن غزواني أدى اليمين الدستورية لولاية ثانية في أغسطس/آب 2024، ما يعني أن ولايته الحالية تنتهي في 2029، وفق الإطار الدستوري القائم؛ وقد جعل ذلك مسألة الخلافة السياسية حاضرة بصورة مبكرة داخل الأغلبية والمعارضة على حد سواء.

واللافت أن بعض الأحزاب المنضوية في الأغلبية بدأت بالفعل إعلان تأييدها لبقاء الرئيس، من بينها حزب «حوار» الذي أعلن في يونيو/حزيران الماضي دعمه لترشح غزواني لولاية ثالثة، في خطوة فتحت الباب أمام موجة جديدة من المواقف المؤيدة للولاية.

وخلال الأيام الأخيرة، انضمت شخصيات وأطر ومنتخبون محليون إلى هذه الدعوات، حيث أعلن أطر وفاعلون سياسيون واجتماعيون في مقاطعة مال وسط موريتانيا، دعمهم لولاية رئاسية ثالثة، معتبرين استمرار القيادة الحالية ضرورياً لمواصلة مسار الإصلاح والتنمية.

ومع اقتراب انطلاق الحوار السياسي، يبدو أن ملف المأموريات سيكون أحد أكثر الملفات قدرة على اختبار تماسك المشهد السياسي الموريتاني.

فالحوار الذي وقعت القوى السياسية وثيقته المرجعية في يوليو/تموز بعد تحضير استمر أكثر من عام، يفترض أن يوفر مساحة لمناقشة القضايا السياسية والدستورية محل الخلاف، لكنه يواجه الآن معادلة دقيقة: كيف يناقش مطالب تعديل النظام السياسي دون أن يتحول النقاش إلى معركة مبكرة حول انتخابات 2029؟

وفي ظل إصرار مؤيدي الولاية الثالثة على تقديم تحركهم باعتباره «حراكاً شعبياً»، ورفض خصومهم إدخال البلاد في سباق انتخابي مبكر، تبدو الساحة السياسية الموريتانية أمام نقاش يتجاوز شخص الرئيس إلى مستقبل نظام الحكم نفسه.

فالمسألة لم تعد فقط: هل يريد غزواني البقاء في السلطة؟ بل أصبحت أيضاً: من يملك حق تحديد قواعد المرحلة المقبلة؟ وهل يكون الحوار مدخلاً لتعديل قواعد اللعبة الدستورية، أم إطاراً لتثبيت التداول السلمي على السلطة وتهيئة انتقال سياسي هادئ في 2029؟

وبينما لم يعلن الرئيس غزواني تبنيه لمطلب الولاية الثالثة، فإن اتساع دائرة الداعين إليها، وظهور دعوات لصياغة دستور جديد، في مقابل تحذيرات من المساس بالقيود الدستورية على المأموريات، يجعل من القضية أحد أبرز الاختبارات السياسية التي ستواجه موريتانيا خلال المرحلة المقبلة.