كشف تحقيق مشترك أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية وشبكة «إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية» (أريج)، عن استخدام أجهزة صعق كهربائي من إنتاج شركة «أكسون» الأمريكية في تعذيب أسرى فلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، وسط تساؤلات بشأن استمرار الشركة في تزويد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بهذه الأسلحة، رغم التقارير الحقوقية التي توثق استخدامها في التعذيب وسوء المعاملة.
وفي تقرير أعدّه الصحافي مصطفى عبد الرؤوف، نقلت الصحيفة شهادة الأسير الفلسطيني عيسى، البالغ من العمر 34 عاماً، والمنحدر من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، الذي اعتُقل في كانون الثاني/يناير 2024، ونُقل إلى سجن عوفر، حيث تعرض للتعذيب في قسم يُعرف باسم «جناح جهنم»، ولا تزال آثار الصعقات الكهربائية ظاهرة على جسده حتى بعد الإفراج عنه.
وكان عيسى قد فقد ساقيه إثر إصابة منزله بصاروخ إسرائيلي عام 2014، قبل أن يتعرض للاعتقال مجدداً، ويعيش تجربة وصفها بأنها من أشد ما تعرض له من تعذيب.
ويروي عيسى كيف اقتاده الجنود الإسرائيليون إلى القسم المعروف باسم «جناح الجحيم»، الذي اكتسب تسميته من المعاملة الوحشية التي يتعرض لها الأسرى داخله. ويقول إن الجنود دفعوه بعنف، ثم تراجعوا خطوة إلى الوراء، قبل أن يُخرج أحدهم سلاحه ويطلق رصاصتين مطاطيتين على جسده، ليسقط أرضاً، وهو مبتور الساقين.
ولم يتوقف الاعتداء عند هذا الحد، إذ قيّده الجنود وواصلوا ضربه، قبل أن يُخرج أحدهم مسدس صعق كهربائياً ويقترب منه، ويوجه الجهاز نحو جسده ويصعقه بالكهرباء، تاركاً آثاراً واضحة على جلده.
وتشير «الغارديان» إلى أن تقارب الندبتين الظاهرتين على جسد عيسى، حتى بعد مرور نحو عام على الإفراج عنه من سجن عوفر في تشرين الأول/أكتوبر 2025، قد يدل على تعرضه لصعقات كهربائية متكررة وهو في وضعية تقييد محكمة، وفقاً للمجلس الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب.
وبحسب التحقيق المشترك، يُرجّح أن عيسى تعرض للتعذيب باستخدام جهاز صعق كهربائي من إنتاج شركة «أكسون إنتربرايز» الأمريكية، المعروفة سابقاً باسم «تيزر إنترناشونال».
ولا تبدو هذه الحادثة معزولة، إذ وثّق التحقيق شهادات ثلاثة معتقلين فلسطينيين آخرين أُفرج عنهم لاحقاً، أكدوا تعرضهم للتعذيب باستخدام أسلحة صعق كهربائي من إنتاج الشركة نفسها خلال عامي 2024 و2025.
شهادات عن التعذيب بالصعق الكهربائي
وقد أثارت التقارير المتكررة عن استخدام الصعق الكهربائي ضد المعتقلين الفلسطينيين إدانات منظمات حقوق الإنسان، التي حذرت من توظيف هذه الأجهزة في ممارسات التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية.
ودعت منظمة العفو الدولية «أمنستي إنترناشونال» إلى فرض قيود على تصدير هذه الأجهزة، في ضوء المخاوف من استخدامها في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
في المقابل، نفى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي إساءة معاملة المعتقلين، مؤكداً أن هذه الممارسات محظورة، وأن استخدام وسائل التقييد لا يتم إلا «في ظروف استثنائية تبرر استخدامها، ووفقاً للقانون الإسرائيلي والقانون الدولي وأوامر الجيش الإسرائيلي».
وفي قضية أخرى، كشف تحقيق أجراه المدعي العسكري الإسرائيلي إيتاي أوفير، بشأن خمسة جنود إسرائيليين اتُّهموا بالاعتداء الجنسي على معتقل فلسطيني في مركز احتجاز «سديه تيمان» في تموز/يوليو 2024، عن استخدام مسدس صعق كهربائي خلال الاعتداء على المعتقل، الذي استدعت حالته نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن قلقها إزاء تقارير تتحدث عن ممارسة التعذيب داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، بما في ذلك استخدام الصدمات الكهربائية.
وأشارت اللجنة إلى أن «التعذيب وسوء المعاملة قد تصاعدا بشكل حاد منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023»، معربة عن «قلقها البالغ إزاء المزاعم واسعة النطاق بالاعتداء الجنسي على المعتقلين الفلسطينيين، بما في ذلك مزاعم الاغتصاب وأشكال التعذيب ذات الطابع الجنسي».
ورغم هذه التحذيرات، يشير التحقيق إلى أن شركة «أكسون» واصلت، على ما يبدو، إبرام عقود مع جهات إسرائيلية لتزويدها بمسدسات الصعق الكهربائي أو ملحقاتها.
وفي حزيران/يونيو 2025، عرضت الشركة أحدث طرازات أسلحتها الكهربائية أمام ممثلين عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، خلال مؤتمر عُقد في إسرائيل.
كما أظهر مقطعان مصوران أنتجتهما مصلحة السجون الإسرائيلية خلال عام 2025 سلاحاً يبدو أنه مسدس صعق كهربائي من إنتاج «أكسون».
وأكد عيسى والمعتقلون الثلاثة الآخرون الذين قابلهم معدّو التحقيق أن هذا النوع من الأسلحة استُخدم في تعذيبهم داخل مراكز الاحتجاز والسجون الإسرائيلية.
وروى أحد المعتقلين أن سجّانيه سكبوا الماء على جسده قبل تعريضه للصعق الكهربائي خلال فترة احتجازه عام 2024، في ممارسة قد تزيد من شدة التعذيب وآثاره.
وأضاف أنه لا يزال يعاني ضعفاً شديداً في البصر وتشنجات ونوبات إغماء متكررة، قال إنها من تداعيات ما تعرض له خلال اعتقاله.
وفي آب/أغسطس 2025، كشفت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية عن تعرض معتقلين في سجن جلبوع للتعذيب بالصعق الكهربائي، قبل جرّهم إلى غرف الاستحمام في ساحة السجن وسكب الماء عليهم، ثم صعقهم مجدداً. غير أن الهيئة لم تحدد نوع السلاح المستخدم في هذه الاعتداءات.
وقالت أماني السرحانة، من نادي الأسير الفلسطيني، وهو مؤسسة حقوقية تُعنى بالدفاع عن حقوق الأسرى: «قد يكون استخدام الصعق الكهربائي مجرد نوع واحد من بين عشرات الأنواع من الأسلحة التي استُخدمت ضدهم [الأسرى الفلسطينيين]، ولا نعرف تحديداً أنواعها أو الشركات التي توردها. ومع ذلك، نعلم يقيناً أن معظم الأسلحة التي تستوردها إسرائيل مصدرها الولايات المتحدة بشكل أو بآخر».
وجاء في التحقيق أنه “منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، أفادت تقارير بوفاة 92 فلسطينياً أثناء احتجازهم لدى إسرائيل، في حين لم يُحاكم سوى جندي إسرائيلي واحد بتهمة إساءة معاملة أسرى فلسطينيين من قطاع غزة، وفقاً لتقرير صادر عن مجموعة من المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية”.
علاقة تجارية تمتد إلى ثلاثة عقود
ووفق التحقيق تعود علاقة شركة «أكسون» الأمريكية بإسرائيل إلى عام 1995، عندما زار وفد ترأسه مؤسس الشركة، ريك سميث، معرضاً تجارياً أُقيم في مدينة إيلات الإسرائيلية.
وفي عام 2014، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريراً بشأن أوضاع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أشارت فيه إلى أن مفوض الشرطة الإسرائيلية آنذاك، يوهانان دانينو، كان قد أعلن عام 2013 تعليقاً مؤقتاً لاستخدام مسدسات الصعق الكهربائي من طراز «تيزر»، عقب تسريب مقطع فيديو يوثق تعرّض مواطن إسرائيلي لصعقات كهربائية متكررة باستخدام هذه الأسلحة.
وفي عام 2016، أصبحت شركة «إم آر هانتر» الموزع الحصري لمنتجات «أكسون» في إسرائيل، وأبرمت عقداً بقيمة 13 مليون شيكل، أي ما يعادل نحو ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، لتزويد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بمسدسات الصعق الكهربائي من طراز «تيزر إكس 26 بي» وملحقاتها.
كما يشير التحقيق إلى تعاون «أكسون»، منذ عام 2015، مع شركة إسرائيلية أخرى هي مجموعة «غورين-كيدون»، في مجال توزيع منتجاتها داخل إسرائيل.
وتشمل أنشطة هذه المجموعة تسويق أسلحة الصعق الكهربائي من طراز «تيزر»، وتضم قائمة عملائها الشرطة الإسرائيلية ووزارة الأمن القومي ووزارة الدفاع ومصلحة السجون الإسرائيلية.
وفي حزيران/يونيو 2025، نظمت «أكسون» مؤتمراً في إسرائيل لعرض أحدث طرازات أسلحة الصعق الكهربائي التي تنتجها، بحضور ممثلين عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، في مؤشر على استمرار العلاقات التجارية بين الجانبين رغم تصاعد التحذيرات الحقوقية.
أسلحة أمريكية “تحت رقابة التصدير”
تصنّع شركة «أكسون» أسلحة الصعق الكهربائي في ولاية أريزونا الأمريكية، وتُصدَّر هذه الأجهزة أساساً باعتبارها أدوات مخصصة لإنفاذ القانون ومكافحة الجريمة.
وتخضع صادرات هذه الأسلحة لإشراف وزارة التجارة الأمريكية، التي تمنح تراخيص التصدير وفق معايير محددة، تشمل تقييم المخاطر المرتبطة باحتمال استخدامها في انتهاكات لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً.
ومن بين العوامل التي تؤخذ في الحسبان وجود أدلة تشير إلى احتمال ارتكاب حكومة الدولة المستوردة انتهاكات لحقوق الإنسان، أو استخدام المعدات المستوردة في ممارسات مخالفة للقانون الدولي.
ويثير استمرار توريد هذه الأسلحة إلى إسرائيل، في ظل الشهادات والتقارير الحقوقية التي توثق استخدامها المزعوم في تعذيب المعتقلين الفلسطينيين، تساؤلات بشأن مدى فاعلية الرقابة الأمريكية على صادرات المعدات الأمنية، ومسؤولية الشركات المصنّعة عن الاستخدام النهائي لمنتجاتها.
وأشار التحقيق إلى أنه جرى التواصل مع شركة «أكسون» ومصلحة السجون الإسرائيلية للحصول على تعليق بشأن هذه الاتهامات.
