04-04-2026
في الخامس من نيسان عام 1995، وخلال انعقاد مؤتمر الطفل الفلسطيني الأول، أعلن الرئيس الراحل ياسر عرفات التزام دولة فلسطين باتفاقية حقوق الطفل الدولية، ليصبح هذا التاريخ مُخلّدًا في ذاكرة الأجيال يومًا للطفل الفلسطيني.
وتحل هذه الذكرى هذا العام ولا تزال آلة الاحتلال الإسرائيلية مستمرة في القتل والحرب على قطاع غزة منذ تشرين الأول/ اكتوبر 2023.
في خيمة من الخيام المتناثرة على رمال المواصي جنوب قطاع غزة، تفتتح الطفلة علا أبو جامع سبع سنوات، يومها برسم منزل كان لها ذات يوم وتتمتم بكل براءة: "قطاري قطاري وديني عداري".
لم يعد ذلك المنزل موجود في شرق خان يونس، فقد سواه القصف الإسرائيلي بالأرض، مع كل من كانوا فيه: الأب والأم وشقيقان اليوم، تعيش الطفلة مع جدتها المريضة.
وليست وحدها في هذا المصير، فهي واحدة من أكثر من 64 ألف طفل فلسطيني فقدوا أحد والديهم أو كليهما منذ بدء الحرب على غزة قبل ثلاثة اعوام.
حيث يواجه أطفال غزة واقعاً مختلفاً تماماً: واقع الفقد والنزوح والمرض والموت البطيء.
فقد كشفت وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة، عن أرقام صادمة حيث ارتفع عدد الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما إلى 64,616 طفلاً. هذا الرقم يمثل قفزة هائلة من 17 ألف يتيم كانوا مسجلين قبل بدء الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023 .
وتشير الوزارة إلى أن "هؤلاء الأطفال يعيشون في ظروف إنسانية غير مسبوقة، يواجهون تحديات تتجاوز فقدان الوالدين، تشمل النزوح القسري وفقدان المأوى وتعطل الخدمات الصحية والتعليمية، ونقصاً حاداً في الغذاء والدواء".
الطفلة آية النجار والتي فقدت والدها بقصف منزلهم في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تروي بصوت طفولي مثقل بالمرارة: "كان لنا بيت، كنا نعيش فيه ومبسوطين، نضحك ونلعب. فجأة لما أجت الحرب، بيتنا انقصف وبابا استشهد، كل شيء تغير".
تضيف بمرارة تليق بطفلة في العاشرة: "أطفال العالم عايشين مع أهلهم بأمان. أنا والدي استشهد، وأتمنى أن أعيش بسلام مع أمي وإخوتي، يكون إلنا بيت، ونشعر بالأمان".
الأرقام أكثر قسوة حين ننظر إلى حجم الخسائر البشرية. بحلول شباط/ فبراير 2026، أعلنت وزارة الصحة في غزة استشهاد 21,289 طفلاً منذ بدء الحرب، إضافة إلى إصابة أكثر من 44,500 آخرين.
من بين الشهداء، هناك 274 طفلاً حديث الولادة و876 رضيعاً تحت عام واحد، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وعندما سألنا الطفلة سيلين سعيد (12 عاماً) عن أحلامها، لم تتحدث عن لعب أو سفر، بل عن مقعد دراسي. "أفضل شيء هو الجلوس في الفصل ورؤية المعلمة والسبورة، والإمساك بالقلم مجدداً".
سيلين واحدة من المحظوظات. فهي التحقت بإحدى مدارس وهي عبارة عن صفوف من الخيام في مراكز النزوح بجنوب قطاع غزة. هذه المدارس بالكاد تغطي جزءاً بسيطاً من احتياجات أكثر من 700 ألف طفل حرموا من التعليم النظامي بسبب حرب الاحتلال على قطاع غزة.
وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) إلى أن نحو 90% من المدارس في غزة تضررت أو دمرت بالكامل خلال العدوان الإسرائيلي على غزة.
وفي مشهد إنساني نادر، عاد 11 طفلاً من الأطفال الخُدّج إلى قطاع غزة في مارس 2026، بعد أن أمضوا أكثر من عامين بعيدًا عن عائلاتهم، إثر إجلائهم من مستشفى الشفاء في نوفمبر 2023 خلال اقتحامه من قبل الجيش الإسرائيلي.
هؤلاء الأطفال، الذين وُلدوا في ظروف قاسية وقطع الاحتلال الكهرباء عن حاضناتهم، تم نقلهم إلى مصر لتلقي الرعاية الطبية، دون أن تعرف عائلاتهم مصيرهم لشهور طويلة.
أحد هؤلاء الأطفال هي الطفلة "شام" (عامان)، التي احتضنتها والدتها روان الوادية للمرة الأولى منذ ولادتها. تقول الأم: "شعور لا يوصف اللحظة التي رأيت فيها ابنتي. كنت أنتظرها منذ زمن طويل. دموعي لم تتوقف، وكأن جزءًا من قلبي عاد بعد طول غياب".
حتى الرضّع لم يسلموا من آثار الحرب. فقد أظهرت بيانات صحية أن واحداً من كل خمسة مواليد يحتاج إلى رعاية مكثفة بسبب انخفاض الوزن عند الولادة، نتيجة سوء تغذية الأمهات والتوتر المزمن وضعف الرعاية الصحية خلال الحمل.
أما الطفل آدم شقلية (12 عامًا) فقد عاش تجربة النزوح المتكرر: "نزحنا من الشمال الى خانيونس، ومن ثم إلى عدنا إلى الشمال، وبعد ذلك نزحنا إلى الجنوب مرة أخرى. كل مرة نصل إلى مكان يحدث أمر إخلاء من الاحتلال. نلم أغراضنا ونمشي. لا يوجد استقرار، ولا مكان نشعر به بالأمان".
يشار إلى أنه نزح أكثر من 1.9 مليون شخص في قطاع غزة، معظمهم عدة مرات، تحت القصف الإسرائيلي العنيف لبيوتهم ومدنهم وأوامر الإخلاء التي يصدرها الاحتلال بالتوجه إلى أماكن غرب القطاع ما اضطرهم للعيش في خيام بالية ومدارس مكتظة، يعانون الجوع الحاد وشح المياه النظيفة وانتشار الأمراض كالتهاب الكبد الوبائي والأمراض الجلدية. وانقطعت عنهم أبسط مقومات الحياة: الكهرباء، الدواء، والكرامة، وفقد الكثيرون أطفالهم بسبب البرد أو القصف أو سوء التغذية، بينما تتفاقم معاناتهم يوما بعد يوم بسبب سوء الظروف المعيشية.
وتختزل الطالبة ريم موسى في المرحلة الابتدائية، معاناة جيل كامل بقولها: "بدل ما أكون واقفة بطابور الصباح في المدرسة، صرت أوقف بطابور التكية لأحصل على الطعام. أتمنى أن أكون مثل أطفال العالم. أتعلم، ألعب، يكون لدي ألعاب. ولا انتظر كل يوم الطعام أو الماء".
أضف إلى ذلك أن الأرقام الطبية وحدها لا تكفي لوصف الحالة النفسية لأطفال غزة. تقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في وصف ما يحدث بأنه "حالة طوارئ صحية نفسية عميقة".
وبحسب بيانات الصندوق، فإن 96% من الأطفال في غزة يشعرون بأن الموت وشيك، فيما يعاني نحو 61% من المراهقين والشباب من اضطراب ما بعد الصدمة، و38% يعانون الاكتئاب، و41% يعانون القلق.
فيقول الطفل محمد زعرب النازح في مواصي خان يونس بحزن شديد: "كان عمري سبع سنوات حين تحول منزلنا إلى كومة حجارة عندما قصفته طائرات الاحتلال. فقدت أبي وأمي وأختي الصغرى تحت الأنقاض، ولم أجد سوى دميتي الممزقة بين الغبار. كل ليلة أحلم أنهم عائدون، فأصحو على صوت الطائرات والرصاص. لم أعد أخاف الموت، لكني أخاف أن أنسى وجوههم".
وزارة التنمية الاجتماعية طالبت بـ "تدخل عاجل من المؤسسات المحلية والدولية، مع التركيز على رعاية الأيتام الشهرية، وإعادة بناء مرافق الطفولة المدمرة، وتقديم برامج دعم نفسي مكثفة".
لكن مع استمرار إغلاق الاحتلال للمعابر وتقييد دخول المساعدات، تبقى هذه النداءات أسيرة الواقع. أطفال غزة لا يحتاجون فقط إلى يوم يُذكرون فيه، بل إلى مستقبل يُعاش يشعرون فيه بالأمان.
وخلف كل طفل في غزة قصة. قصة حلم تأجل، وبيت لم يعد، وأب رحل. لكن رغم كل هذا، يظل هؤلاء الأطفال ممسكين بطائراتهم الورقية، رافعين أذرعهم للسماء، مصرّين على الحياة.
