تناولت صحف بريطانية تحول محطة مترو الأنفاق “تشارينغ كروس بلندن إلى ساحة مناورات غير تقليدية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لمحاكاة حرب شاملة محتملة مع روسيا، مما يؤشر على تصاعد استعدادات الحلف لسيناريو مواجهة مباشرة في أوروبا.
والمناورة التي تحمل اسم “أركيد سترايك” (Arcade Strike) يقودها فيلق الرد السريع التابع للناتو وبقيادة بريطانية.
وقد استهدفت المناورة اختبار قدرة الحلف على إدارة عمليات “الضربات العميقة” (Deep Strike) والتشويش الإلكتروني انطلاقا من مراكز قيادة تحت الأرض، لضمان النجاة من المسيّرات والصواريخ الروسية التي تطلق على مراكز اتخاذ القرار.
السيناريو المفترض للمناورة يدور في 2030، بعد إعادة روسيا بناء قواتها إثر الحرب الأوكرانية، ثم شنها هجوما على إستونيا العضو في الناتو، مما يدفع الحلف إلى تعبئة قواته للدفاع عن دول البلطيق.
والسيناريو المفترض للمناورة يدور في عام 2030، بعد إعادة روسيا بناء قواتها إثر الحرب الأوكرانية، ثم شنها هجوما على إستونيا العضو في الناتو، مما يدفع الحلف إلى تعبئة قواته للدفاع عن دول البلطيق.
ونُقل عن الجنرال الأمريكي كريستوفر دوناهو، قائد القيادة البرية للناتو، تأكيده على أن الحلف في سباق مع الزمن، قائلا: “الاستعداد للمهمة بحلول عام 2030 ليس مجرد شعار، بل هو ما يجب علينا فعله.. الأشكال التقليدية للتعبئة والتحرك لم تعد مضمونة النتائج”.
وتعكس المناورة دروس الحرب في أوكرانيا، خاصة ما يتعلق بالحرب الإلكترونية واستخدام المسيّرات والذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتسريع اتخاذ القرار العسكري.
وركزت صحيفة “إندبندنت” الإلكترونية، في تقرير أعده محررها للشؤون الدولية سام كيلي، على المخاوف المتزايدة بشأن ضعف الجاهزية البريطانية مقارنة بدول أوروبية أخرى، خصوصا دول البلطيق والشمال الأوروبي وبولندا.
وأشار التقرير إلى أن مصادر دفاعية أقرت بأن بريطانيا لا تملك سوى مخزون يكفي لأسبوع واحد فقط من الطائرات المسيّرة في حال اندلاع حرب واسعة، وهو ما اعتبرته الصحيفة دليلا على الفجوة بين الطموحات العسكرية والقدرات الفعلية.
كما أبرز تصريحات قائد الفيلق البريطاني مايك إلفيس الذي قال إن روسيا تمتلك أفضلية الحشد العسكري وسرعة المبادرة، مضيفا أن رد الناتو يعتمد على مفهوم “الرصد والقصف”، أي كشف القوات الروسية واستهدافها قبل وصولها إلى ساحة القتال.
وتوقفت إندبندنت كذلك عند البعد الرمزي للمناورة داخل مترو لندن، معتبرا أن صور الجنود تحت الأرض تستحضر مشاهد الحرب العالمية الثانية حين احتمى المدنيون بمحطات المترو من القصف الألماني.
من جانبها، ركزت مولي بلاكال، مراسلة الشؤون العالمية في تقريرها في صحيفة “آي بيبر”، على الجانب التكنولوجي والمالي للمناورة، وكشفت عن استخدام نظام ذكاء اصطناعي يُعرف باسم “أسغارد” (Asgard)،
وتبلغ قيمة هذا النظام مليار جنيه إسترليني (نحو 1.27 مليار دولار)، وهو مصمم لتقليص دورة اتخاذ القرار العسكري من 72 ساعة إلى ساعتين فقط عبر تحليل 10 تيرابايت من البيانات يومياً.
ومع ذلك، كشفت التقرير عن عقبة كبرى، إذ يحتاج نظام “أسغارد” إلى استثمارات إضافية بمليارات الجنيهات ليصبح جاهزاً للقتال الفعلي.
وأكد وجود ثقب أسود في ميزانية وزارة الدفاع البريطانية يصل إلى 28 مليار جنيه إسترليني (نحو 35.6 مليار دولار)، مما يعيق تنفيذ خطط التحديث المطلوبة.
ونقل التقرير عن الجنرال أليكسوس غرينكويتش، القائد الأعلى للحلف في أوروبا، قوله: “إن الفشل في التعلم والتكيف بشكل أسرع من خصومنا يعرض وضع الردع وخططنا الدفاعية للخطر”.
بريطانيا لا تملك سوى مخزون يكفي لأسبوع واحد فقط من الطائرات المسيّرة في حال اندلاع حرب واسعة
وكشف أن نحو 120 جنديا شاركوا في تشغيل مركز القيادة تحت الأرض، حيث تُستخدم منظومة ذكاء اصطناعي تحمل اسم “أسغارد” لتحليل البيانات العسكرية ورصد الأهداف المحتملة.
وخلال المناورة استُبدلت الإعلانات التجارية في محطة الميترو بعناوين صحف افتراضية تقول: “بريطانيا تعلن الحرب على روسيا”، في محاولة لمحاكاة أجواء حرب شاملة في أوروبا.
وركز تقرير “آي بيبر” أيضا على أزمة التمويل الدفاعي في بريطانيا، مشيرا إلى أن الجيش يحتاج إلى استثمارات بمليارات الجنيهات لتطوير الأنظمة الجديدة، في وقت تتحدث فيه تقارير عن فجوة تمويلية كبيرة داخل وزارة الدفاع البريطانية.
وبينما تحاكي القوات العسكرية في أنفاق لندن سيناريو غزو روسي لإستونيا عام 2030، يجمع المراقبون على أن التكنولوجيا وحدها لن تحسم المعركة، حيث تبقى المعضلة الكبرى في نقص المخزون والفجوة التمويلية، إذ لا تفيد المناورات ما لم تدعم بتدفقات مالية وصناعية حقيقية.
