في الساعات الأخيرة التي سبقت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، عاش الجيش الإسرائيلي واحدة من أعقد لحظاته الميدانية، بعدما قُتل قائد الكتيبة 52 المقدم دور بن سمحون في انفجار دبابة قرب بلدة تبنين، لتبدأ بعدها عملية إنقاذ طويلة تحت نيران كثيفة، وصفها ضابط إسرائيلي بأنها معركة لاستعادة القتلى وإعادة تماسك كتيبة فقدت قائدها وعددًا من مقاتليها.
وبحسب تقرير للصحافي إليشع بن كيمون في "يدعوت احرونوت"، تلقى المقدم "ن"، نائب قائد اللواء 401، اتصالًا من قائد اللواء بعد 3 ساعات فقط على وصوله إلى منزله في خان عروغوت في غوش عتصيون. كانت الرسالة قصيرة وحاسمة: "دبش قُتل. عليك أن تصل. الآن".
و"دبش" هو اللقب العسكري للمقدم دور بن سمحون، قائد الكتيبة 52، الذي قُتل في حادثة انفجار دبابة في محيط بلدة تبنين في جنوب لبنان.
وقال المقدم "ن" في مقابلة خاصة: "في تلك اللحظة نهضت، قبّلت زوجتي ميري والأولاد وخرجت. أخذت بزتي العسكرية من سلة الغسيل، لم تكن قد دخلت حتى إلى الغسالة. خلال وقت قصير كنت في المطلة، وقبل أول ضوء كنت أسير في منطقة الشقيف، أدخل وسط النار لتولي قيادة كتيبة تمر بحدث معقد".
وبحسب الضابط الإسرائيلي، فإن المشهد الذي واجهه كان قاسيًا: دبابة منفجرة، ساحة مشتعلة، وقصف متواصل بقذائف الهاون والطائرات المسيّرة المفخخة. وقال إن تلك اللحظات جاءت في اليومين الأخيرين قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، حين ركز عناصر حزب الله، بحسب الرواية الإسرائيلية، جهدًا أخيرًا ضد الكتيبة في منطقة تبنين.
وأضاف: "فهمت أن لدي 3 مهام فورية: الأولى حماية القطاع في قرية تبنين، والثانية إخراج الدبابة والقتلى، والثالثة، وربما الأصعب، إعادة بناء إطار قتالي فقد في لحظة واحدة قائده و3 من مقاتليه".
وتحولت عملية انتشال الجثث إلى معركة طويلة، وفق التقرير، إذ أُطلقت عشرات قذائف الهاون والطائرات المسيّرة المفخخة باتجاه القوات طوال الليل.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، خاضت القوات معركة مشتركة مع مقاتلي لواء غفعاتي وسلاح الهندسة، واستخدمت نيرانًا كثيفة أسفرت عن مقتل نحو 50 عنصرًا من حزب الله، قبل أن تنجح في مهمتها.
وقال المقدم "ن": "خاطرنا مرارًا تحت نيران حية. الهدف الوحيد كان إحضار إخوتنا إلى الدفن في إسرائيل. استغرق الأمر ساعات طويلة ولم نتوقف حتى حصل ذلك".
وأشار التقرير إلى أن الضابط نفسه واجه قبل فترة قصيرة موقفًا مشابهًا، عندما أصيب قائده، قائد اللواء العقيد مئير بيدرمان، بجروح خطيرة أمام عينيه.
وقال "ن": "كنت أنا وبيدرمان في الموقع نفسه عندما أصابتنا المسيّرة الأولى. أصابت بيدرمان ومقاتلين آخرين. أن ترى قائدك يُصاب وأن تعالجه بيديك، بالتزامن مع إخلاء تحت النار، فهذا حدث بالغ التعقيد".
وأضاف: "كنا نتعامل في الوقت نفسه مع إخلاء الجرحى واعتراض المسيّرات. أُطلقت نحونا نحو 10 طائرات مسيّرة مفخخة في تلك الحادثة. أسقطنا اثنتين منها، والباقي أصاب الموقع. كانت حالة قتالية معقدة جدًا، لكن منظومتنا قوية ولدينا الكثير من الاحتياطيات. واصلنا العمل".
ورغم دخول الجبهة في أيام وقف إطلاق النار، شدد الضابط الإسرائيلي على أن أيدي الجيش الإسرائيلي "ليست مقيدة"، قائلًا: "بعد 7 تشرين الأول تغيّر الجيش. لم نعد ننتظر أن يلتقي العدو بالمواطن عند الحدود".
وأضاف: "الجيش الإسرائيلي وضع خطوطًا واضحة جدًا، حمراء وخضراء، ونحن نمسك بالمنطقة بصورة ممتازة ونستعد للدفاع على الخط الجديد".
وتابع: "لدينا حرية عمل مطلقة. أمام أي رصد لتهديد أو خرق، تكون ردة فعلنا عدوانية وفورية. حاليًا نستعد للدفاع على الخط الأصفر وننتظر ما سيقرره المستوى السياسي".
وبالنسبة إلى الكتيبة 52، التي فقدت 23 من مقاتليها منذ 7 تشرين الأول، كان مقتل قائدها ضربة كبيرة بعد عامين ونصف من القتال من قطاع غزة إلى المعارك في لبنان، في الخيام وبنت جبيل ورأس علي الطاهر.
وقال المقدم "ن" إنه جمع المقاتلين حوله بين الدمار وتحدث إليهم، مضيفًا: "ذكّرتهم بأننا نخوض واحدة من أكثر الحروب عدالة التي عرفها شعب إسرائيل. قلت لهم: في هذه اللحظة هناك ملايين في الجبهة الداخلية يصلّون من أجلكم. أنتم لستم وحدكم. أنتم مبعوثو جمهور، ومن يعرف أنه مبعوث يملك قوى لا تنتهي".
كما تحدث الضابط أمام جنوده عن مقال "إضافة الشجاعة" للحاخام كوك، قائلًا: "حدثتهم عن مجموعة أشخاص يحفرون بئرًا. يحفرون ويتعبون، وعندما يصلون إلى الماء تكون المياه الأولى عكرة. بعضهم ييأس. لكن من يواصل الحفر يصل إلى المياه الحية. هذه الحرب إنجاز تراكمي. كل موقع أسلحة، كل قتل لمسلح، كل دلو من الوحل نخرجه يقربنا من المياه الحية، من النصر".
وأكد التقرير أن الضابط ركز مرارًا على ما وصفه بالتكافل، إذ قال إن هاتفه لم يتوقف عن الرنين منذ تسلمه القيادة، وأن مقاتلي احتياط ومواطنين وصلوا من منازلهم من دون أوامر استدعاء للمساعدة في الإخلاء واحتضان المقاتلين.
وعندما سُئل عن زوجته ميري، توقف للحظة ثم قال: "في لحظات كهذه لا توجد كلمات كثيرة. هناك نظرات، احتضان داخلي وكثير من الصلاة. زوجات رجال الخدمة الدائمة هن البطلات الحقيقيات في هذه الحرب. كونهن يمسكن الجبهة الداخلية ويربين الأطفال يتيح لنا تنفيذ مهمة شعب إسرائيل في جيلنا".
ورغم الخسارة، حاول الضابط الإسرائيلي الإبقاء على نبرة تفاؤل، فقال: "نحن المقاتلين أناس متفائلون جدًا. نرى القوى النفسية التي تستخرجها الحرب من شعب إسرائيل. في النهاية سننتصر. سنعود إلى البيوت، سنرمم المنازل، وسيكبر الأطفال بهدوء. نحن هنا بقدر ما يلزم".
وبين رواية الجيش الإسرائيلي عن "حرية العمل المطلقة" وواقع النار الذي لم يتوقف قبل وقف إطلاق النار، تعكس شهادة الضابط من جنوب لبنان حجم الكلفة التي دفعتها الوحدات الإسرائيلية في محاولتها تثبيت خطوطها الجديدة على أرض شديدة الحساسية.
