بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

“تهديدات بالاعتقال وأوامر بالإخلاء وإزالة مساكن”… سكان قريتين في سيناء المصرية في مرمى التهجير

“تهديدات بالاعتقال وأوامر بالإخلاء وإزالة مساكن”… سكان قريتين في سيناء المصرية في مرمى التهجير

اد ملف التهجير في محافظة شمال سيناء المصرية إلى الواجهة، مع حديث عن قرارات بإخلاء قريتين في مدينتي رفح والشيخ زويد، دون معرفة الأسباب.

وناشد أهالي قرية المقاطعة الواقعة في جنوب مدينة الشيخ زويد في شمال سيناء، الرئيس عبد الفتاح السيسي، السماح لهم بالعودة إلى منازلهم بعد أن أجبروا على الخروج منها خلال الأيام الماضية.

جنة خضراء

وقالوا، في مناشدتهم التي نشرتها صفحة “الشيخ زويد ورفح” على “فيسبوك”، إن أهالي القرية الذين يبلغ عددهم 2000 شخص، عادوا إلى قريتهم بعد انتهاء الحرب على الإرهاب قبل حوالي ثلاث سنوات وقاموا بزراعة الأراضي بأشجار الزيتون والخوخ والرمان وأصبحت القرية جنة خضراء، قبل أن يفاجؤوا قبل أيام بقرار إخراجهم منها.

الأمر نفسه تكرر مع قرية الخرافين، حيث اشتكى سكانها من محاولات طردهم منها. وقالوا في استغاثة نشرتها صفحة “اتحاد شباب قبيلة الرميلات” على “فيسبوك”، إنه بعد عناء استمر عشر سنوات من الشتات والغربة، عاد الأهالي إلى قريتهم (الخرافين) ليحيوا أرضهم ويعمروها بدمائهم وعرقهم طوال العامين الماضيين، ليحولوا أرضها إلى واحة تنبض بالحياة، فكيف يكون الجزاء هو الطرد والتشرد مجدداً؟

أحد سكان قرية المقاطعة يقول إن إجراءات الإخلاء بدأت بصورة تدريجية بداية من شهر يونيو/ حزيران الحالي

وطالب الاتحاد، أعضاء مجلس النواب عن سيناء، بالتدخل الفوري لإنقاذ أهالي القريتين، وشدد على أن السكان هم أهل الأرض، وجذور سيناء، وهم من عادوا ليثبتوا أن الإعمار هو الرد الأسمى على كل الظروف.

أحد سكان قرية المقاطعة يقول إن إجراءات الإخلاء بدأت بصورة تدريجية بداية من شهر يونيو/ حزيران الحالي، قائلاً: “في الأول قالوا اهدموا العشش، بعدها أزيلوا ألواح الطاقة الشمسية، بعدها أخلوا المنطقة كلها”.

وحسب شهود عيان، يتعرض الأهالي لضغوط متصاعدة منذ مطلع يونيو/ حزيران الجاري، عبر حملات ميدانية متكررة لقوات عسكرية تابعة لمعسكر الزهور، أحد معسكرات الجيش الثاني الميداني في مدينة الشيخ زويد. فضلاً عن تهديدات بالاعتقال وأوامر شفهية بالإخلاء الفوري للمنطقة، وإزالة المساكن المؤقتة (العشش)، وتفكيك ألواح الطاقة الشمسية المستخدمة في تشغيل الآبار الزراعية، والتهديد بمعاقبة كل من يرفض التنفيذ أو المغادرة.

كما أفادت شهادات بأن عشرات الأسر غادرت المنطقة بالفعل رغم غياب أي إعلان رسمي يوضح أسباب هذه الإجراءات أو يحدد مصير الأسر المتضررة منها.

وعبرت 8 منظمات حقوقية مستقلة عن قلقها إزاء الممارسات والإجراءات التي تتخذها قوات الجيش المصري لإجبار سكان القريتين وتجمعات سكانية في رفح والشيخ زويد على مغادرة أراضيهم؛ التي عادوا إليها مؤخرًا بعد سنوات من النزوح والتهجير الناجم عن العمليات العسكرية في شمال سيناء، فأعادوا إعمارها بجهودهم الذاتية.

وقالت المنظمات، في بيان نشرته مؤسسة “سيناء لحقوق الإنسان”، إن “أي مشروعات أو ترتيبات ذات طابع أمني أو تنموي لا ينبغي أن تتم على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين أو دون إشراكهم بصورة فعالة في القرارات التي تمس مستقبلهم ومصير أراضيهم ومجتمعاتهم المحلية”.

ووفق البيان، “التعويضات المالية، حتى وإن توفرت، لا يمكن أن تشكل بديلًا كافيًا في الحالات التي ترتبط فيها الأرض ارتباطًا وثيقًا بمصادر الرزق والهوية والانتماء الاجتماعي، لا سيما في المجتمعات البدوية والقبلية التي تعتمد حياتها بصورة مباشرة على الزراعة والأرض”.

وعبرت المنظمات عن خشيتها أن تؤدي الإجراءات الجارية إلى تقويض ما تحقق من عودة تدريجية للحياة المدنية والزراعية في قرى ومناطق شمال سيناء خلال السنوات الأخيرة، والزج بالسكان مجددًا إلى دائرة النزوح وعدم الاستقرار وانعدام اليقين بشأن مستقبلهم وأراضيهم وممتلكاتهم، وتبديد الجهود التي بذلوها لإعادة إعمار مناطقهم واستعادة سبل عيشهم بعد سنوات من التهجير.

وطالبت، السلطات المصرية، بالوقف الفوري لأي إجراءات إخلاء أو ضغوط ميدانية تستهدف سكان المقاطعة والخرافين وأبو كبريت والتجمعات المجاورة، لحين الإعلان الرسمي والواضح عن الأساس القانوني لهذه الإجراءات، والكشف عن الأسباب الأمنية أو التنموية أو الإدارية التي تستند إليها الممارسات الجارية، وضمان إتاحة المعلومات الكاملة للسكان المتضررين، والامتناع عن استخدام التهديد أو الإكراه أو الترهيب لإجبار السكان على مغادرة منازلهم وأراضيهم، وضمان عدم تشريد أي أسرة أو حرمانها من مصادر الرزق، وتوفير البدائل المناسبة قبل أي إجراءات تمس استقرار السكان.

حوار جاد

ودعت إلى فتح حوار جاد وشفاف مع ممثلي المجتمعات المحلية والأهالي والجهات المنتخبة بشأن مستقبل المنطقة وأي مشروعات أو ترتيبات قد تؤثر على حقوق السكان، وضمان حصول المتضررين على تعويضات عادلة وكافية عن أي أضرار تلحق بممتلكاتهم أو أراضيهم أو مصادر دخلهم، وفقاً للمعايير الدستورية والدولية ذات الصلة، واحترام حق سكان شمال سيناء في الاستقرار والعودة الآمنة والكريمة إلى مناطقهم الأصلية، وعدم تعريضهم لموجات متكررة من النزوح والتهجير.

وأكدت المنظمات أن إعادة إعمار شمال سيناء وتحقيق التنمية المستدامة فيها لا يمكن أن يتحققا عبر إجراءات تفتقر إلى الشفافية أو تتجاهل حقوق السكان المحليين. فالسكان الذين تحملوا سنوات طويلة من النزاع والنزوح، وساهموا في إعادة الحياة إلى مناطقهم، يستحقون سياسات عادلة وقائمة على المشاركة وسيادة القانون، تضمن أمنهم وكرامتهم وحقوقهم، وتمنع تكرار المآسي الإنسانية التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي.

أزمة مديدة

تأتي هذه التطورات في سياق أزمة ممتدة منذ أكثر من عقد، شهدت خلالها مناطق واسعة من شمال سيناء موجات متعاقبة من التهجير والنزوح. فمنذ أواخر عام 2013، وخلال المعارك بين الجيش وتنظيم “الدولة الإسلامية”، دُمر ما لا يقل عن 12350 مبنى، معظمها منازل، وجُرفت أو أُتلفت أو مُنع الوصول إلى ما لا يقل عن 14,300 فدان من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان وفقدانهم مساكنهم ومصادر رزقهم. واستمرت أعمال الهدم وتجريف الأراضي بعد عام 2020 في رفح والشيخ زويد والعريش.

“حق العودة”

وخلال السنوات اللاحقة، ظلت قضية “حق العودة” إلى القرى والمناطق التي هُجّر منها السكان إحدى أبرز القضايا الحقوقية والإنسانية في شمال سيناء.

ففي أغسطس/ أب 2023، نظم مئات من أهالي رفح والشيخ زويد اعتصامات وتجمعات سلمية تحت شعار “ودنا نعاود” للمطالبة بالسماح لهم بالعودة لأراضيهم ومنازلهم التي هُجّروا منها، بعد سنوات من النزوح وغياب البدائل المناسبة والتعويضات العادلة.

وقد انتهت هذه الاحتجاجات بعد لقاءات وتعهدات من مسؤولين محليين وأمنيين بالنظر في مطالب الأهالي وإيجاد حلول لملف العودة.

كان عدد من المقررين والخبراء المستقلين في الأمم المتحدة قد أعربوا في خطابين للسلطات المصرية، عن مخاوف جدية إزاء الانتهاكات المرتبطة بالتهجير والنزوح في شمال سيناء

إلا أن السلطات لاحقاً قد تعقبت عدداً من المشاركين في هذه التحركات السلمية، وأحالت العشرات منهم إلى المحاكمة العسكرية في القضية رقم 80 لسنة 2023 جنايات عسكرية الإسماعيلية، المعروفة إعلاميًا بقضية “حق العودة“. وفي ديسمبر 2024، شمل عفو رئاسي 54 من المحكوم عليهم في هذه القضية، بينما بقي آخرون رهن الاحتجاز.

وقد سبق وأثارت هذه القضية انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء أمميين، اعتبروا أن مطالب الأهالي بالعودة إلى أراضيهم تمثل حقًا مشروعًا لا ينبغي أن يكون محل ملاحقة جنائية.

وكان عدد من المقررين والخبراء المستقلين في الأمم المتحدة قد أعربوا في خطابين للسلطات المصرية، عن مخاوف جدية إزاء الانتهاكات المرتبطة بالتهجير والنزوح في شمال سيناء.

ودعوا السلطات إلى توضيح البدائل التي تم بحثها قبل اللجوء إلى التهجير، وضمان عدم تشريد المتضررين، وتوفير السكن البديل والتعويض المناسب، وتهيئة الظروف التي تسمح بالعودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين إلى مناطقهم الأصلية.

كما شددوا على ضرورة حماية ممتلكات السكان ومنع تكرار الانتهاكات المرتبطة بالنزوح الداخلي، واحترام حقوق المجتمعات المحلية المرتبطة بالأرض والزراعة وسبل العيش.