في دورة جديدة تؤكد استمرار حضوره كأحد أهم المنصات الداعمة للسينما العربية في أوروبا، يواصل مهرجان الفيلم العربي في برلين فعاليات دورته السابعة عشرة، التي تُقام خلال الفترة من 22 إلى 28 من هذا الشهر، في سياق إقليمي شديد التعقيد، تلقي فيه التحولات السياسية والإنسانية بظلالها على الفن والسينما، لتتحول العروض السينمائية إلى مساحة للتأمل في الواقع، وإعادة صياغته بلغة الصورة.
وتحظى السينما الفلسطينية هذا العام بحضور لافت داخل البرنامج الرسمي للمهرجان، حيث تتصدر مجموعة من الأفلام المشهد باعتبارها من أبرز الأعمال المشاركة وأكثرها تعبيرًا عن الواقع الإنساني والسياسي، في لحظة تتداخل فيها الذاكرة مع الحاضر، وتتحول فيها التفاصيل اليومية إلى سرديات مقاومة نابضة بالحياة.
ويأتي البرنامج هذا العام متنوعًا ومقسمًا إلى ثلاثة محاور رئيسية: «المختارات»، و»بقعة ضوء»، و»البرنامج الخاص»، حيث يسعى المهرجان إلى تقديم بانوراما واسعة للسينما العربية الحديثة، بما تحمله من أسئلة الهوية والذاكرة والوجود، وبما تعكسه من قلق إنساني متصاعد في المنطقة. في قسم «المختارات»، تتصدر ثيمات الحزن والقلق وخيبات الأمل العديد من الأفلام، لكنها لا تقف عند حدود الرصد، وتمتد إلى البحث في إمكانيات النجاة وإعادة بناء الحياة وسط الخراب. العلاقات الإنسانية تظهر هنا بوصفها مرآة للواقع السياسي والاجتماعي المضطرب، حيث يصبح المكان والذاكرة جزءًا من صراع مستمر مع النسيان والانهيار.
ويبرز ضمن هذا السياق عدد من الأفلام الآتية من مناطق نزاع مختلفة، من بينها أعمال تتناول العراق ولبنان، حيث يتم تفكيك مفهوم «البقاء» بوصفه فعلًا يوميًا مقاومًا، سواء في جنوب لبنان أو الموصل أو بيروت، عبر قصص إنسانية تكشف هشاشة الواقع وقوة التمسك بالحياة في آن واحد.
لكن الحضور الفلسطيني في هذه الدورة يظل الأكثر كثافة وتأثيرًا، إذ يقدم المهرجان مجموعة من الأفلام، التي تنقل التجربة الفلسطينية من قلبها، دون وسائط أو تأويلات بعيدة، لتصبح السينما هنا امتدادًا مباشرًا للحياة اليومية بكل ما تحمله من ألم وأمل في الوقت نفسه.
ففي فيلم «ضع روحك على يدك وامشِ» للمخرجة سيبيده فارسي، تتجسد التجربة الإنسانية في أبسط تفاصيلها وأكثرها قسوة، حيث تتحول الحركة اليومية إلى فعل تمسك بالحياة، وإصرار على الاستمرار رغم كل القيود. أما فيلم «بلياتشو غزة» للمخرج عبد الرحمن صباح، فيقدم رؤية مختلفة لمدينة مثقلة بالحصار والذاكرة، لكنها لا تزال قادرة على إنتاج الفرح ولو في صورته الأكثر هشاشة، حيث تصبح الضحكة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة.
هذه الأعمال تقدم فلسطين كحياة كاملة تُعاش بكل تناقضاتها، حيث تتجاور المعاناة مع الأمل، والخوف مع الإصرار، والصمت مع الحكاية، لتتحول السينما إلى شهادة بصرية على واقع لا يمكن فصله عن إنسانيته.
وفي جانب آخر من البرنامج، يشارك الفيلم المصري «الست» للمخرج مروان حامد، الذي يعيد تقديم سيرة كوكب الشرق أم كلثوم من خلال أداء منى زكي، مستعيدًا لحظة مفصلية في تاريخها الفني خلال حفل باريس بعد هزيمة 1967، بما يحمله من رمزية تتجاوز الفن إلى الذاكرة الوطنية والهوية الثقافية.
أما برنامج «بقعة ضوء»، الذي يشرف عليه طلال عفيفي، فيأتي هذا العام تحت عنوان «السودان: رؤية جديدة – استعراضات، ثورات، وترميمات»، حيث يسلط الضوء على تجارب سينمائية سودانية تسعى لإعادة قراءة التاريخ والهوية من منظور بصري مختلف، بعيدًا عن الصور النمطية، وبانفتاح على سرديات متعددة.
وفي «البرنامج الخاص»، يحتفي المهرجان بعدد من رموز السينما العربية، حيث يكرم الفنان الفلسطيني محمد بكري، إلى جانب تكريم اثنين من أبرز أعلام السينما المصرية، وهما يوسف شاهين وداود عبد السيد، في لحظة تحمل دلالة خاصة، مع مرور مئة عام على ميلاد شاهين، أحد أبرز صناع السينما في العالم العربي.
ويأتي تكريم شاهين عبر عرض فيلمه «وداعًا بونابرت»، بينما يُعرض فيلم «أرض الأحلام» لداود عبد السيد، الذي يجمع بين النقد الاجتماعي والرؤية الفنية الساخرة، في أحد أبرز أعمال السينما المصرية الحديثة.
كما يشارك مدير الإنتاج الفني أنسي أبو سيف كضيف شرف، من خلال ورشة متخصصة في تصميم المناظر السينمائية، مستعرضًا مسيرة طويلة أسهم خلالها في تشكيل الهوية البصرية لعدد كبير من الأفلام العربية، ليضيف بعدًا آخر لفكرة التكريم التي لا تقتصر على المخرجين والنجوم، بل تمتد إلى صناع الصورة خلف الكاميرا.

