الوقت ينفد أمام الرئيس التركي. الحرب لم له تتسبب بضرر مباشر. فقد اعترضت منظومات الدفاع الجوي التابعة لحلف الناتو الصواريخ التي أطلقت من إيران على القواعد الأمريكية في تركيا، ووضعه حتى الآن أفضل بكثير من وضع الإمارات التي تكبدت أكبر الخسائر. لم تتحقق التوقعات القاتمة التي قدمتها أجهزة المخابرات التركية، التي أشارت إلى أن انهيار النظام في إيران قد يشعل حرباً أهلية أو مواجهات طائفية عنيفة. كما فشلت الخطة اليائسة لتفعيل مقاومة الأكراد وضمها لقوى المعارضة في الحملة ضد النظام، وكذلك السيناريو الكارثي الذي تنبأ بنزوح الآلاف، بل مئات الآلاف، من الإيرانيين نحو الحدود التركية.
لقد وضعت هذه السيناريوهات تركيا في صف دول الخليج المعارضة للحرب، وجعلتها من أدوات الضغط التي استخدمت، دون نجاح، على ترامب من أجل تجنبها. ورغم أن الحرب لم تنته حتى الآن، ورغم أن بعض هذه التهديدات لم تُزل بالكامل، لكن تركيا تجري فحصاً حول كيفية الاستفادة من دروس الحرب لتعزيز مكانتها الاقتصادية والسياسية.
الحرب فاجأت تركيا. ففي الشهر الأول، نهاية شباط – نهاية آذار، اضطرت إلى بيع ما قيمته حوالي 26 مليار دولار لحماية الليرة التركية التي بدأت في التراجع. وباعت أيضاً 22 طن تقريباً من الذهب، وبعد ذلك 34 طناً مقابل الدولار. وقد ارتفع التضخم الذي كان من المفروض أن يستقر عند 15 في المئة، حسب خطة الإنعاش الاقتصادي التي وضعها وزير المالية محمد شمشك في منتصف 2023، ارتفع إلى 40 في المئة. في الوقت نفسه، تطلبت الميزانية التي كانت مبنية على تقدير سعر برميل النفط عند 65 دولاراً، مراجعة شاملة بعد أن تجاوز سعر البرميل 110 دولارات. وقد انخفض السعر منذ ذلك الحين، لكن ما زالت هناك فجوة كبيرة بين التوقعات والواقع. ستضطر شركة “بوتاش”، وهي الشركة الوطنية للغاز، إلى مضاعفة الدعم الحكومي الذي تحصل عليه، والذي يبلغ حوالي 6 مليارات دولار، ثلاثة أضعاف من أجل سد الفجوة بين سعر الغاز العالمي وسعره للمستهلك التركي. في حين تم تجميد الضرائب على الوقود، التي كانت الحكومة تخطط لفرضها لدعم الميزانية. ونتيجة لذلك، يتوقع أن يصل عجز الميزانية إلى 45 مليار دولار هذه السنة، مقارنة مع توقعات بمبلغ 30 مليار دولار.
مع ذلك، في ظل هذه الأرقام القاتمة ودون أي تقدير حتى الآن لموعد عودة أسعار النفط والغاز إلى المستوى قبل الحرب، تسعى تركيا بجهد لترسيخ مكانتها كأكثر الدول هدوءاً واستقراراً في الشرق الأوسط، وهذا تعريف يشمل الجانب الاقتصادي والسياسي. الجمعة الماضي، أثناء مؤتمر عقد في قصر دولمة في إسطنبول بعنوان “مركز القرن القوي للاستثمار في تركيا”، قدم أردوغان خطة غير مسبوقة تهدف إلى جذب الاستثمارات والمستثمرين للبلاد.
الخطة تسمح بإعفاءات وتخفيضات في الضرائب واسعة النطاق للشركات التي تعمل في المركز المالي في إسطنبول، وإعفاءات من الضريبة على الدخل المحقق في الخارج للأتراك العائدين إلى البلاد، وتخفيضات لشركات التجارة العابرة وإعفاءات للمصدرين، وميزات أخرى تهدف إلى جعل تركيا وجهة استثمار إقليمي مفضل. طموح أردوغان يتجاوز الحدود. ورغم أنه لم يقل ذلك بصراحة، لكنه يهدف إلى استبدال دول الخليج، لا سيما دبي، كمركز تجاري عالمي وكمحور لتسويق الطاقة بكل أنواعها.
لم يعد وصف تركيا بأنها جسر بين الشرق والغرب يكفي للتعبير عن ثقلها الاستراتيجي. وقال أردوغان: “تركيا ليست ممراً فقط، بل قاعدة ضرورية لممرات التجارة والطاقة في المنطقة كلها”. وأضاف “ضرورية” لأن الحرب أثبتت أن اعتماد المنطقة على ممر بحري مركزي هو الخليج العربي، المرتبط بدوره بمضيق هرمز، وطريق ثانوي عبر مضيق باب المندب قرب اليمن ومنه إلى قناة السويس، يجعل دول الخليج والاقتصاد العالمي رهينة. ويحاول أردوغان إقناع هذه الدول بأن تركيا ستحررها من هذا الاعتماد والتهديد.
إن حلم تحويل تركيا إلى مركز لتسويق الطاقة أمر غير جديد؛ فقد انشغل اردوغان بذلك لأكثر من عقد. ومع ذلك، حتى مع ربطها بخط أنبوب النفط الروسي، المتصل أيضاً بأوروبا، ومع استئناف العلاقات الدبلوماسية مع مصر، أصبحت تركيا المستورد الأكبر للغاز من مصر، قبل أن تقع مصر نفسها في أزمة وتتحول من مصدرة للغاز إلى مستوردة، بما في ذلك فترة قصيرة من التقارب مع إسرائيل، التي لم تنجح، وحقيقة أنها تواصل شراء الغاز من إيران – كل ذلك يشكل عائقاً أمام جعل تركيا مركزاً إقليمياً لتسويق الطاقة.
الآن يعاد النظر في الخطط والمشاريع القديمة، وإعادة إحيائها في ظل الحاجة الملحة لإيجاد بديل واقعي لاحتكار الممر البحري. أحد هذه البدائل هو “طريق تنمية العراق”، وهو طريق نقل بري طموح، يبلغ طوله 1200 كم، وقد بدأ العمل فيه بالفعل، ومن المفروض أن يربط ميناء الفاو في أقصى جنوب العراق بتركيا. وقدرت تكلفة المشروع عند الكشف عن خطة إقامته في 2023 بحوالي 17 مليار دولار، ويتوقع إنجاز المرحلة الأولى في العام 2028، والمرحلتين التاليتين في 2033 و2050. ومن غير الواضح إذا كان سيتم توفير التمويل المطلوب لاستكماله. هو لا يقدم حلاً فورياً لأزمة نقل النفط أو الغاز؛ فثمة تخوف من أن يصبح هذا الطريق الطويل هدفاً سهلاً لمحاولة المنظمات الإرهابية الإضرار به.
مع ذلك، تسلط هذه الفكرة الضوء على كيفية معرفة تركيا لموقفها في حينه، بالنظر إلى الدوافع السياسية من وراء المشروع. يهدف هذا الطريق إلى تجاوز، وربما إحباط، خطة إنشاء طريق يربط بين الهند عبر الإمارات والسعودية والأردن، ومن هناك إلى إسرائيل، ومن ثم عن طريق البحر – بأوروبا. في الوقت نفسه، تسعى تركيا إلى استكشاف طرق نقل الغاز من قطر عبر العراق وسوريا، بعد أن بدأ العراق منذ إغلاق مضيق هرمز بنقل النفط من كركوك إلى ميناء جيهان في تركيا.
لا يقتصر اهتمام تركيا على فرصة التحول إلى محطة عبور للغاز والنفط فقط، بل طورت وعززت في السنوات الثلاث الأخيرة علاقاتها العسكرية مع السعودية والإمارات. في 2023، أثناء زيارة أردوغان للرياض، وقع على صفقة ضخمة لبيع مسيرات من نوع “بيرق أكينجي” العسكرية. صهر أردوغان سلجوق بايكار، وهو شريك في الشركة، يشغل أيضاً منصب المدير العام ورئيس قسم التخطيط. وتعتبر هذه أكبر صفقة مشتريات من المصنع حتى ذلك الحين، والتي التزم فيها المصنع أيضاً بإنشاء مصنع إنتاج في السعودية، إضافة إلى صفقات السلاح والتكنولوجيا التي وقعت بين شركات تصنيع السلاح التركي ووزارة الدفاع السعودية. وتمتلك تركيا أيضاً قاعدة عسكرية كبيرة في قطر، وتعمل على إعادة بناء الجيش السوري الجديد، وفي العام 2024 وقعت على مذكرة تفاهم مع العراق للتعاون العسكري والاستخباري في الحرب ضد المنظمات الكردية المسلحة.
تركيا لم تتأثر من نية ترامب الانفصال عن الحلف العسكري (الناتو) الذي يعتقد أنه خيب أمله في الحرب ضد إيران. وتعتبر نفسها ركيزة عسكرية بديلة، ليس فقط لدول الخليج، بل أيضاً للاتحاد الأوروبي الذي يسعى إلى إرساء إطار عسكري يحرره من تبعية للولايات المتحدة. ويقابل هذا التطلع بتحفظات، إذا لم يكن بمعارضة، من قبل أوروبا. وهو ما عبرت عنه رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قبل أسبوعين عندما قالت: “علينا النجاح وإكمال القارة الأوروبية كي لا تقع تحت نفوذ روسيا أو تركيا أو الصين. علينا التفكير بشكل واسع وبطريقة جيوسياسية أشمل”. أيضاً الشرق الأوسط غير مستعجل في تبني هذا التوجه التركي. فبعد توقيع السعودية على اتفاقية دفاع مع باكستان، أوضحت لتركيا التي طلبت الانضمام لهذه الاتفاقية بأن هذا التحالف ثنائي، ولا يتسع لشركاء آخرين في الوقت الحالي. مع ذلك، تعتقد أنقرة أن الحرب في الخليج، إلى جانب دروس هجمات إيران على جيرانها، ستغير موقف السعودية.
هآرتس 28/4/2026

