12-08-2026
هناك أحداث لا يكفي أن نقول عنها إنها انتهت لأن بعضها يبقى حيًا في ذاكرة من عاشها وفي وجدان شعب حمل النكبة من مكان إلى آخر، ففي الثاني عشر من آب تعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر صفحات اللجوء الفلسطيني في لبنان وجعًا، مخيم تل الزعتر لم يكن مجرد مخيم من مخيمات اللاجئين كان بيتًا كبيرًا لعائلات فلسطينية اقتُلعت من أرضها وحاولت أن تبني حياة جديدة فوق أرض اللجوء بإنتظار العودة، تأسس المخيم عام 1949 في شرق بيروت وكبر مع السنوات وأصبح يضم آلاف العائلات الفلسطينية إلى جانب لبنانيون من أبناء المناطق الجنوبية من الذين يعملون في المصانع والمنشآت القريبة، لكن الحرب الأهلية اللبنانية لم تترك للمخيم فرصة الاستمرار، فتحول تل الزعتر إلى مساحة محاصرة من الموت بدأ الحصار التمويني ثم اشتد الخناق وتقطعت سبل وصول الغذاء والدواء وتضررت مصادر المياه وانقطعت الكهرباء بينما كان القصف ينهال على مخيم بيوته في معظمها من الزينكو والصفيح، فتخيلوا مخيمًا يعيش فيه آلاف المدنيين بينهم الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى محاصرًا لأشهر فيما القذائف لا تتوقف والمؤن تتناقص والمياه تصبح أكثر ندرة والجرحى يتكاثرون والقدرة على الصمود تتآكل يومًا بعد يوم، ومع ذلك لم يكن تل الزعتر مستعدًا للاستسلام، صمد المدافعون عن المخيم في ظروف عسكرية وإنسانية شديدة القسوة، بينما كان المدنيون يدفعون الثمن الأكبر واستمر الحصار والهجوم حتى أصبحت القضية أكبر من معركة عسكرية، أصبحت محاولة لإخراج المخيم من الوجود.
وهنا أصل إلى العبارة التي أجدها أكثر تعبيرًا عن حقيقة ما جرى، تل الزعتر لم يسقط فقط ... تل الزعتر أُعدم، في 12 آب 1976 وبعد أشهر من الحصار والمعارك دخلت المأساة مرحلتها الأكثر دموية وقعت المجزرة وسقط عدد كبير من المدنيين والمدافعين وفُقد آخرون ومن بقي حيًا نزح بعيدًا عن المكان الذي كان بالنسبة إليه وطنًا مؤقتًا وحياة كاملة، أن أعداد الضحايا اختلفت باختلاف التوثيق فتقارير العدالة الانتقالية تثبت استشهاد ما بين ألف وألف وخمسمئة شخص في يوم سقوط المخيم إلى جانب أعداد كبيرة من الشهداء والمفقودين خلال مجمل فترة الحصار والقتال، لكن الأرقام مهما بلغت لا تستطيع أن تشرح حجم المأساة فالشهيد في تل الزعتر لم يكن مجرد رقم كان أبًا أو أمًا أو طفلًا أو شابًا أو مقاتلًا أو طبيبًا أو ممرضًا، كان جزءًا من مجتمع فلسطيني وجد نفسه مرة أخرى أمام آلة الموت بعد أقل من ثلاثة عقود على نكبة فلسطين.
ولم تنتهِ المأساة بخروج الناجين، لقد جرى تجريف المخيم وتدمير ما تبقى منه، ولم يعد تل الزعتر إلى الحياة كمخيم فلسطيني كما كان قبل المجزرة، وهكذا لم يكتفِ القتل بإسكات البشر بل امتد إلى المكان نفسه وكأن المطلوب لم يكن قتل سكان المخيم فقط وإنما محو المخيم من الجغرافيا والذاكرة، لكنهم أخطأوا فالمخيم يمكن أن يُجرف والبيوت يمكن أن تتحول إلى ركام والإنسان يمكن أن يُهجّر من مكان إلى آخر لكن الذاكرة لا تُجرف ولهذا بقي تل الزعتر حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية، بقي حاضرًا في حكايات الناجين، وفي صور الذين رحلوا، وفي أسماء المفقودين، وفي ذاكرة كل فلسطيني يعرف أن المخيمات لم تكن يومًا مجرد خيام أو بيوت من الصفيح، بل كانت عنوانًا لمأساة شعب اقتُلع من وطنه، وحاول أن يصنع من اللجوء حياة، فإذا بالحروب تطارده حتى داخل مخيمات اللجوء.
اليوم وبعد خمسين عامًا على تلك المجزرة، لا أكتب عن تل الزعتر لأعيد فتح جرح قديم فالجرح لم يُغلق أصلًا، أكتب لأن هناك فرقًا بين أن نتذكر الماضي وبين أن نسمح له بأن يتحول إلى مجرد تاريخ، تل الزعتر يجب أن يبقى في الذاكرة ليس من أجل الانتقام وإنما من أجل الحقيقة، الحقيقة التي تقول إن آلاف الفلسطينيين عاشوا وماتوا في المخيمات وهم يحملون مفتاح العودة إلى فلسطين، الحقيقة التي تقول إن تهجير الفلسطيني من وطنه لم ينتهِ عند حدود فلسطين، بل لاحق الفلسطيني إلى مخيمات اللجوء، والحقيقة الأهم أن من حاولوا إعدام المخيم لم يستطيعوا إعدام ذاكرته، في 12 آب 1976 أُعدم تل الزعتر كمكان... لكنه بقي حيًا في الذاكرة، وبعد خمسين عامًا، ما زال السؤال قائمًا: كم مخيمًا يمكن أن يُهدم، وكم بيتًا يمكن أن يُجرف، وكم إنسانًا يمكن أن يُهجّر، قبل أن يدرك العالم أن قضية اللاجئين ليست قضية مخيمات، بل قضية وطن وحق عودة؟
