12-08-2026
لم تعد المسافة في قطاع غزة تُقاس بالكيلومترات وحدها؛ فطريق كان يحتاج إلى نحو نصف ساعة قبل الحرب، قد يستغرق اليوم ساعتين أو ثلاثاً، بينما يضطر بعض الركاب إلى النزول من المركبات قبل بلوغ وجهاتهم، ومواصلة الطريق سيراً على الأقدام أو باستخدام وسائل نقل بدائية.
ومع تدمير مساحات واسعة من شبكة الطرق، وتحول أجزاء كبيرة منها إلى مسارات ضيقة وغير معبدة ومليئة بالركام والحفر، بات التنقل بين مناطق القطاع وداخل المدن المدمرة رحلة يومية شاقة، يدفع السكان كلفتها من وقتهم ومالهم وجهدهم.
وتشير بيانات التقييم السريع للأضرار والاحتياجات(RDNA) الصادر في نيسان/ إبريل 2026 عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلى أن طول شبكة الطرق في قطاع غزة يبلغ نحو 4,500 كيلومتر، صُنّف نحو 74% منها مدمراً، فيما صُنّف 13% متضرراً جزئياً، أي أن نحو 87% من الشبكة تعرضت للدمار أو الضرر.
وبحسب التقييم، فقد بلغت أضرار قطاع النقل نحو 3.21 مليار دولار، فيما قُدّرت الخسائر بنحو 1.18 مليار دولار. وتشمل هذه الأرقام الطرق والجسور والمركبات ومنشآت النقل، وليس الطرق وحدها.
وفي تقييم مستقل، أعلن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، استناداً إلى صور التُقطت في 8 تموز/ يوليو 2025، أن نحو 77% من شبكة الطرق تعرضت للضرر، بينها نحو 1,511 كيلومتراً مدمرة، و484 كيلومتراً متضررة بشدة، و1,484 كيلومتراً متضررة بدرجة متوسطة.
وتختلف النسب بين التقييمين بسبب اختلاف تاريخ الرصد والمنهجية المستخدمة، لكنهما يعكسان اتساع نطاق الضرر الذي أصاب شبكة الطرق في القطاع.
شبكة كانت تربط شمال القطاع بجنوبه
يقول المهندس كمال مطر، الذي شارك في تنفيذ عدد من مشاريع الطرق في قطاع غزة، إن القطاع كان يمتلك قبل الحرب شبكة من الطرق الرئيسية والفرعية التي تربط محافظاته ومناطقه، وكان من أبرز محاورها شارعا صلاح الدين والرشيد، إلى جانب شبكة واسعة من الطرق الداخلية.
ويوضح أن الأضرار لم تقتصر على الطبقة الإسفلتية، وإنما امتدت إلى طبقات الطريق الأساسية، وشبكات تصريف مياه الأمطار والعبّارات، فضلاً عن خطوط المياه والصرف الصحي والمرافق الخدمية الموجودة أسفل الشوارع.
ويشرح أن الطريق منظومة هندسية متكاملة تبدأ من التربة وطبقات الأساس وتنتهي بالطبقة السطحية، ولذلك فإن المقاطع التي تعرضت لدمار واسع تحتاج إلى معالجة بنيتها التحتية قبل إعادة رصفها.
ويشير إلى أن إزالة الركام وفحص جسم الطريق وشبكات الخدمات المتضررة ستكون من الخطوات الأساسية قبل إعادة تأهيل المحاور الرئيسية.
من نصف ساعة إلى ثلاث ساعات
بالنسبة إلى السائق محمد أبو جامع، (35 عاماً)، من محافظة خان يونس، تظهر آثار تدمير الطرق في تفاصيل كل رحلة.
يقول إن الرحلة التي كانت تستغرق قبل الحرب نحو 30 دقيقة، أصبحت تستغرق حالياً بين ساعتين وثلاث ساعات، بينما ارتفعت أجرة الرحلة من نحو 6 شواقل إلى متوسط يبلغ 30 شيقلاً.
ولا يقتصر الأمر على طول زمن الرحلة، بحسب أبو جامع، إذ جعلت وعورة الطرق والازدحام وتحميل المركبات فوق طاقتها الأعطال أكثر تكراراً، في ظل صعوبة توفير قطع الغيار والزيوت.
ويقول إن الإطارات وأنظمة الحركة ومضخات الوقود والرشاشات والفلاتر وغيرها من أجزاء المركبات أصبحت أكثر عرضة للتلف، ما جعل الحاجة إلى الصيانة متكررة جداً.
ويعطي السائق مثالاً على الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات المركبات، موضحاً أن لتر زيت المحرك من النوعية النظيفة والممتازة كان يكلف قبل الحرب نحو 10 شواقل، بينما يصل حالياً إلى نحو 2,500 شيقل.
كما ارتفع سعر لتر السولار إلى نحو 35 شيقلاً، فيما يقول إن الإطار الواحد كان يكلف نحو 150 شيقلاً قبل الحرب، بينما يصل سعره حالياً إلى نحو 6,000 شيقل.
ويؤكد أن هذه الأسعار أمثلة على الارتفاع في تكاليف تشغيل المركبات وصيانتها، وليست تكلفة ثابتة للصيانة، التي تختلف بحسب حالة كل مركبة ونوع العطل.
عندما لا تصل المركبة إلى وجهتها
ويقول أبو جامع إن تدمير الطرق أدى في بعض الحالات إلى عدم قدرة المركبات على الوصول إلى الوجهات المحددة، ما يضطر السائق إلى إنزال الركاب في أقرب نقطة يمكن الوصول إليها.
ويواصل بعض الركاب طريقهم سيراً على الأقدام أو باستخدام وسائل نقل بدائية، ومنها عربات تجرها الحيوانات.
ويضيف أن معظم الطرق المتاحة تعاني الازدحام والدمار وضيق المسارات، فيما تصبح الحركة ليلاً أكثر صعوبة وخطورة بسبب انعدام الإنارة، إلى جانب تداخل الخيام مع الطرق، الأمر الذي يزيد مخاطر الحوادث.
الطريق يستهلك يوم الصحفي
ولا تقتصر أزمة الطرق على السائقين، إذ أصبح التنقل تحدياً مهنياً للصحفيين الذين يعتمد عملهم على الوصول إلى مواقع الأحداث والقصص.
الصحفية سماح شاهين، (32 عاماً)، تقول إن التنقل بين المنطقة الوسطى ومدينة غزة أصبح يستنزف جزءاً كبيراً من يوم العمل الصحفي.
وتوضح أن الرحلة من الزوايدة إلى مدينة غزة قد تستغرق حالياً نحو ساعة ونصف ساعة إلى ساعتين، بحسب وسيلة النقل وظروف الطريق، بعدما كانت الحركة داخل القطاع قبل الحرب أسهل وأسرع.
وتقول إن صعوبة توفير المواصلات، إلى جانب وعورة الطرق ونقص الزيوت وقطع الغيار، دفعتها في بعض الحالات إلى إلغاء تغطيات صحفية أو تقليص زياراتها إلى مدينة غزة، فيما تضطر أحياناً إلى المبيت هناك لتجنب مشقة التنقل المتكرر.
وتضيف أن بعض القصص التي ترغب في إنتاجها لم تتمكن من الوصول إليها بسبب صعوبة المواصلات والطرق، بينما تحاول قطع المسافات القصيرة سيراً على الأقدام عندما يكون ذلك ممكناً.
كما تشير إلى أن بعض الصحفيين الذين يعتمدون على سياراتهم الخاصة يواجهون أعطالاً ونقصاً في الوقود، ما يدفعهم أحياناً إلى تغطية المناطق القريبة منهم أو الاستعانة بزملاء للوصول إلى مواقع الأحداث.
الطريق يعيق خدمات الطوارئ
وتتجاوز آثار تدمير الطرق السكان والعاملين إلى خدمات الطوارئ، إذ تواجه سيارات الإسعاف والدفاع المدني وآليات الإنقاذ صعوبة في الوصول إلى بعض المناطق بسبب الركام وضيق المسارات وتضرر أجزاء من شبكة الطرق.
ويشير المهندس مطر إلى أن تضرر الطرق والبنية التحتية المحيطة بها يضيف عوائق أمام حركة الآليات الثقيلة، خصوصاً في المناطق التي تراكمت فيها الأنقاض أو تضررت فيها شبكات الخدمات.
كما تواجه آليات البلديات وشاحنات نقل المساعدات المشكلة ذاتها، إذ تحتاج إلى وقت أطول للحركة وتتعرض المركبات لضغط أكبر، ما يرفع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل.
إعادة التأهيل ليست مجرد إسفلت
يؤكد المهندس مطر أن إعادة تأهيل شبكة الطرق تحتاج إلى أكثر من إزالة الحفر وفرش الإسفلت.
ففي المقاطع التي تعرضت لدمار واسع، يجب إزالة الركام وفحص طبقات الطريق، ومعالجة الأضرار التي لحقت بشبكات المياه والصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار، ثم إعادة تأهيل طبقات الأساس قبل الوصول إلى مرحلة الرصف.
ويحذر من أن إعادة الرصف السطحي فوق بنية تحتية متضررة قد تجعل الطريق عرضة للتلف مجدداً، لأن الأضرار الموجودة في الطبقات التحتية أو تسرب المياه يمكن أن يؤثرا في استقرار الطريق وقدرته على تحمل حركة المركبات.
ويرى أن الأولوية ينبغي أن تكون لإعادة فتح المحاور الرئيسية التي تربط المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، بالتوازي مع تأهيل الطرق الداخلية الأكثر استخداماً، بما يعيد الحد الأدنى من الترابط بين مناطق القطاع.
الطريق المدمّر.. أزمة تتجاوز النقل
تكشف شهادات المهندس والسائق والصحفية أن تدمير الطرق لم يحوّل التنقل إلى رحلة أطول فحسب، بل فرض كلفة إضافية على مختلف جوانب الحياة اليومية، من أجور النقل وصيانة المركبات إلى قدرة الصحفيين على الوصول إلى مواقع عملهم، وحركة سيارات الإسعاف والدفاع المدني وآليات الخدمات.
وتؤكد بيانات البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية اتساع الضرر الذي أصاب شبكة الطرق وقطاع النقل في غزة.
لكن خلف كل كيلومتر من الطرق المتضررة رحلة أطول، وخلف كل طريق مغلق تكلفة إضافية، وخلف كل مسار وعر وقت يضيع من حياة السكان والعاملين، لتتحول عملية التنقل اليومية في قطاع غزة إلى معاناة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عند الوصول.
